فيلم” Ceux qui veillent”: تعايش الأديان والموت واحد

بسمة نسائية/ عزيزة حلاق
صور: بلميلود



بدعوة من مجلس الجالية المغربية بالخارج، شاهدنا أمس بقاعة “الفن السابع” بالرباط، العرض الأول لفيلم “Ceux qui veillent ” للمخرجة البلجيكية-المغربية كريمة السعيدي.




“Ceux qui veillent” يمكن ترجمة العنوان ب”حراس الغياب”، ليس فيلمًا عن الموت والقبور فقط، بل عن أولئك الذين يرافقون الغياب ويمنحونه معنًى يمكن احتماله؛ عن من يظلون أوفياء لزيارة الميت ورعاية قبره، كأنهم يحرسون الذاكرة من التلاشي.
هو فيلم قوي يبدأ من الذاكرة، وينتهي عند الجسد، ويتركنا في تلك المسافة الهشة بين الحياة والرحيل.
يفتتح العمل بمشهد شابة تستعيد الأيام الأخيرة في حياة جدتها. لا نرى الموت بعد، بل نلمسه عبر تفاصيله الصغيرة: المرض، الانتظار، الصمت الثقيل الذي يسبق الرحيل. بهذا الاختيار، تضعنا المخرجة السعيدي منذ اللقطة الأولى داخل تجربة إنسانية حميمة، حيث لا يأتي الموت كحدث فجائي، بل كمسار طويل تتعايش معه العائلة، وتتعلم خلاله معنى الفقد قبل وقوعه وبعده.
من هذه العتبة الشخصية، ينفتح الفيلم، على فضائه الأساسي: مقبرة شاسعة في بلجيكا، تتحول إلى مسرح كوني للتعدد والتعايش.
المقبرة هنا ليست مجرد مكان للدفن، بل خريطة مصغّرة للعالم؛ تتجاور فيها القبور كما تتجاور الهويات والعقائد. مسلمون، يهود، مسيحيون، وأرثوذكس، لكلٍ طقوسه ولغته في مخاطبة الموت، لكن الجميع يلتقون تحت سماء واحدة، وفي صمت واحد.
قوة الفيلم لا تكمن فقط في لغته السينمائية الرصينة – صورة هادئة، إخراج متأمل، وموسيقى تعرف متى تنسحب احترامًا للصمت – بل في فكرته الجوهرية: الموت واحد، لكن طرق معايشته متعددة، تصوغها المعتقدات، وتلوّنها الطقوس، وتعيد تشكيلها نظرة الأحياء إلى الفقد.
على امتداد ساعة ونصف، ترافقنا المخرجة عبر أربعة فصول تشبه دورة الحياة نفسها: ربيع مشمس، صيف هادئ، خريف مثقل بالألوان، وشتاء يلف القبور ببرودته. في كل فصل، يظهر زائر أو زائرة؛ أحيانًا فرد، وأحيانًا عائلة كاملة، خاصة في القبور الإسلامية حيث الجماعة جزء من طقس الزيارة والوداع.
نرى قراءة القرآن، الأدعية، سقي القبور بماء الزهر، تصاعد رائحة البخور، وشواهد حجرية نُقشت عليها أسماء الراحلين وتواريخهم. وفي الجهة المقابلة، ورود وصور وأشياء بسيطة، لكنها محمّلة برغبة الأحياء في إبقاء الصلة قائمة، وفي تحويل القبر من نهاية صامتة إلى مكان ذاكرة.
في مشاهد متكررة، تظهر امرأة تحمل طبق حلوى أو تمر. تتنقل بين الزوار، تمد يدها بلا كلام. مرة تكون مسلمة، مرة يهودية، مرة من خلفية أخرى. الجميع يأخذ القطعة باحترام، يشكر، ويبتسم. تتحول هذه اللقطة العابرة إلى رمز كثيف: الحزن يُتقاسم، والكرم لا يموت، والطعام يصير لغة إنسانية عابرة للعقائد. لقمة صغيرة تختصر فكرة الفيلم: أمام الفقد، نحن متشابهون أكثر مما نعتقد.
يحكي زوار القبور عن محاسن الراحلين، عن الفراغ الذي خلّفوه، عن الخوف والرجاء، وعن الرغبة في أن يكون القبر قريبًا من أب أو أم أو شريك حياة، كأن القرب الجسدي بعد الموت تعويض رمزي عن فراق لم يكتمل.
في هذا الفضاء البلجيكي، يصبح الموت أيضًا مسألة قانونية منظمة، تتيح للأحياء هامش اختيار لا يخلو من إنسانية.
قبور الأرثوذكس تفرض حضورًا بصريًا لافتًا: غرف زجاجية مضاءة بقناديل، تتوسطها صور مكبّرة للميت وأيقونات المسيح والعذراء. الضوء، الزينة، والورود تبدو كمحاولة أخيرة لمقاومة العتمة، ولإبقاء الذاكرة متوهجة.
وسط هذا النسيج الإنساني، تبرز تدريجيًا شخصية كانت حاضرة بصمت منذ البداية: حفّار القبور. رجل بسيط، لا يتصدر المشهد، لكنه قلبه الخفي. ينسج علاقات مع زوار المقبرة الإسلامية، يصغي لحكاياتهم، ويحمل أسماء الموتى كجزء من يومياته. لا يتحدث عن عمله كوظيفة، بل كمعايشة دائمة مع الأموات، واحترام عميق للأجساد التي يوارِيها التراب.
في المشهد الأخير، تبلغ الرمزية ذروتها:
نراه ممدّدًا على جنبه الأيمن داخل حفرة قبر، في الوضعية الدقيقة التي يُدفن بها الجسد. جسد حي يجرّب شكل المسكن الأبدي. لقطة ساكنة، بلا تعليق، لكنها تقول كل شيء: من يسهرون على الموت، هم أيضًا جزء من دائرته.
هكذا يُغلق «Ceux qui veillent» قوسه الوجودي:
من حفيدة تروي وداع جدتها، إلى حفّار قبور يلامس مصيرنا جميعًا.
بين البداية والنهاية، يقدم الفيلم تأملًا هادئًا وعميقًا في علاقتنا بالموت، لا بوصفه نهاية، بل حقيقة نرافقها، ونسهر عليها… إلى أن يأتي دورنا.
نشير في الأخير الى أن عرض الفيلم، كان من تنظيم مجلس الجالية ومنتدى خريجي بلجيكا و بشراكة مع البعثة العامة لفدرالية والونيا- بروكسل.



