انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
ثقافة وفنون

بريجيت باردو… حين ترحل الأسطورة ويبقى السؤال..

 

لم يكن خبر وفاة بريجيت باردو (91 سنة)، مجرد إعلان هذا الصباح، عن غياب ممثلة شهيرة، بل لحظة ثقافية كثيفة الدلالة، أعادت إلى الواجهة سؤال الأسطورة، وحدود النجومية، والثمن الخفي الذي تدفعه المرأة حين تتحول إلى صورة تتجاوز إنسانيتها. فباردو لم تكن اسمًا في تاريخ السينما الفرنسية فحسب، بل علامة فارقة في الثقافة البصرية للقرن العشرين، وجسدًا تحوّل إلى خطاب.

منذ ظهورها في فيلم “وخلق الله المرأة” سنة 1956، لم تُستقبل بريجيت باردو كممثلة فقط، بل كحدث. جسدت قطيعة مع الصورة التقليدية للمرأة على الشاشة: أنوثة جريئة، وحضور جسدي غير معتذر، وحرية أربكت الذائقة المحافظة آنذاك. كانت باردو مرآة لزمن يتغير، وزمنًا يُسقط توتراته على جسد امرأة واحدة.

غير أن هذه الحرية الظاهرة كانت محاطة بقيود غير مرئية. فقد تحوّلت باردو سريعًا إلى أيقونة تُستهلك، إلى صورة تُختزل فيها المرأة وتُطارد بها، حتى غدا الجسد الذي منحها الشهرة سببًا في اغترابها عن ذاتها. هنا بالضبط، يصبح اعتزالها التمثيل سنة 1973 فعلًا ثقافيًا بامتياز، لا قرارًا شخصيًا فقط: انسحاب من نظام يصنع النجوم ثم يستنزفهم.

اختارت باردو أن تغادر السينما وهي في ذروة المجد، في خطوة نادرة في تاريخ الفن، لتعيد توجيه شهرتها نحو قضية أخرى: الدفاع عن الحيوان. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير مسار، بل بحثًا عن معنى بديل، عن علاقة أقل عنفًا مع العالم. فحين ضاقت بها نظرة البشر، فتحت قلبها للحيونات الكائنات الأضعف، وأسست مؤسسة حملت اسمها، وجعلت من صوتها أداة ترافع أخلاقي بدل أن يبقى أداة إغراء.

لكن صورة باردو لم تكن أحادية. فقد رافق مسارها اللاحق كثير من الجدل، بسبب مواقف وتصريحات سياسية واجتماعية صادمة، كشفت عن تناقضات حادة بين حسّها الإنساني تجاه الحيوان، وخطابها الإقصائي تجاه الآخر. هذه التناقضات لا تُمحى، لكنها تدعونا إلى قراءة باردو لا كقديسة ولا كشيطانة، بل ككائن مركّب، ابن زمنه، وحبيس جراحه الخاصة.

برحيل بريجيت باردو، لا نودّع ممثلة فقط، بل نغلق فصلًا من تاريخ العلاقة بين السينما والجسد، بين الشهرة والاغتراب، وبين الحرية وثمنها. لقد كانت باردو امرأة سبقت زمنها في الجرأة، ودفعته ثمنًا باهظًا في العزلة والتشظي.

وربما يبقى السؤال الأعمق الذي تتركه خلفها:

هل يمكن للأسطورة أن تعيش بسلام؟ أم أن كل أيقونة محكومة، في النهاية، بأن تحترق بنار الضوء الذي صنعها؟.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا