انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهنثقافة وفنون

“حين يهاجر الورد” لرشا محمد… سيرة قلبٍ معلّق بين وطنين

بسمة نسائية/ عزيزة حلاق

بنبرةٍ مثقلةٍ بالشجن، وبكلماتٍ خرجت من قلب الغياب لا من اللسان، استحضرت الشاعرة رشا محمد صوت شقيقتها، وكأن المسافات لم تكن سوى وجعٍ مؤجل… قالت على لسانها:

“كنا نود أن نكون معك ونحتفي بك، لكن العتب على الغربة… غير أننا، أنا وأخواتي، كنا نُسَلّي الغياب بفكرة أنك بين أهلك وأصدقائك، في بلدك الثاني المغرب. فشكرًا لكل من كان لك سندًا.”

ثم رفعت رشا عينيها نحو الحضور، وكأنها تعانقهم واحدًا واحدًا، وأضافت بصوتٍ يشبه الامتنان:

“حقًا… أنتم السند. بينكم أشعر أنني في حضن عائلتي.”

لاسمها نصيبٌ منها… رشا محمد، كما عرفتها، لم تكن مجرد شاعرة تقرأ نصوصها، بل كانت سيدةً من شفافيةٍ نادرة، تمشي على خيطٍ رفيع بين الرقي والجمال والبراءة. حضورها هادئ كقصيدة، وعميق كحنينٍ لا يُقال.

جاءت من الشام، محمّلةً بذاكرةٍ مثقلةٍ بالعطر والوجع، واستقرّت في المغرب، حيث اختارت أن تنسج حياةً أخرى إلى جانب زوجها الإعلامي حسن الحريري. بين هذين الأفقين، لم تفقد رشا نفسها، بل صارت أكثر اتساعًا، كأنها تتسع لوطنين، لقلبين، ولحكايتين  في آنٍ واحد

وهي تقدّمها، التقطت الإعلامية “سيدة الميكروفون”، اسمهان عمور، التي تتقن فن تطويع الكلمة وتتربع على عرش التنشيط الثقافي، التقطت هذا الخيط الإنساني الرفيع، فقالت: ليس كلّ من يهاجر يفعل ذلك بالطريقة نفسها… فهناك من يهاجر قسرا بسبب السياسة، وهناك من يقوده القلب طوعًا للهجرة. أما رشا، فقد اختارت أن تعيش بين الاثنين: ذاكرةٌ معلّقة بين الشام، وحياةٌ تنبض في المغرب، حيث أسرتها الصغيرة.

رشا، كما تبدّت في ديوانها، ليست مجرد شاعرة، بل امرأة بقلبين وذاكرةٍ منقسمة… أو لعلها أوسع مما يحتمله جسد واحد.

فسوريا نصف القلب: بلاد الحواري، وأسواق الحميدية، وشواطئ اللاذقية، والقدود الحلبية.والمغرب نصفه الآخر… القلب وما يعشق.

جلّ قصائد الشاعرة رشا محمد، تكتب اسمهان عمور في تقديمها للديوان، مغلّفة بالحزن والأسى، ومشبعة بإحساس الضياع والتيه.

جعلتْ من جسدها مسكنًا لوطنٍ لم يرحل، بل غفا قليلًا قبل أن ينهض من جديد.

الأستاذ الشاعر والكاتب والإعلامي حسن نجمي، في كلمة عن الشاعرة وديوانها “حين يُهاجر الورد”، كتب على ظهر الغلاف:

“رشا محمد… هو ذا اسمها الذي أكتشفه لأول مرة، هنا والآن، من خلال هذا الكتاب الشعري (حين يُهاجر الورد).

شاعرة سورية تقيم في المغرب، حيث عثرت على وطن ثانٍ، وشكّلت أسرةً وأفقًا آخر. ثم ها هي تأتي إلى كتابها الأول، وكأنها تعبر جسرًا لامرئيًا بين ساحلين: ساحل الذاكرة وساحل المنفى، حيث بدأت روحها تتعلّم أسماءها الجديدة.

أقامت في المغرب، لكن قلبها ظلّ معلّقًا على أغصان الطفولة، مشدودًا إلى شرفات المدن التي أنهكها الوجع وتداعيات الحرب وشهوات الغرباء.

رشا لا تكتب في عملها الشعري عن الشوق كعاطفة عابرة، وإنما كقدر يومي، كرغيف داخلي تتقاسمه مع أطياف الغائبين والغائبات.

لا بكاء على الأطلال هنا، بل كتابة تتغيّا ترميم المعنى وتجاوز الخراب والأنقاض. تريد أن تستعيد صوتها الشخصي من بين ضجيج الفقدان، وأن تصوغ وجعها الشفيف برهافة الأنثى وصرامة الشاهدة، محاولةً تحويل التجربة السورية المؤلمة إلى طاقة خلاقة للشعر والحياة، وإلى قدرة على الإنصات للعالم.

كتاب أول في تجربة الشعر، لكنه ليس مجرد إعلان عن ميلاد صوت جديد، بل هو فعل يحفر في أمكنة الذاكرة وألبومات الصور، ويستعيد أرضًا أولى تتجدد عبر الكلمات.

كأن هذه القصائد رسائل تلقي بها الشاعرة في زجاجات عائمة، فيحملها البحر المتوسط إلى حيث ينبغي أن تتقاذفها الأمواج… لتصل إلى هناك، حيث لا يُهاجر الورد.”

صدر ديوان “حين يهاجر الورد” عن منشورات سليكي أخوين. وقد علّق الناشر طارق السليكي، عقب هذا الاحتفاء، وكتب على صفحته بالفايسبوك قائلًا:” إن الشاعرة رشا محمد تُثبت قدرتها على تطويع اللغة وابتكار صور شعرية تنبض بالحياة، حيث تتقاطع الذات مع العالم في نصوصها ضمن أفق جمالي وإنساني مفتوح.

إنها تكتب لا لتقول فقط، بل لتكشف وتُضيء، وتجعل من القصيدة فضاءً للتأمل والمساءلة.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا