
بقلم: عبد الرفيع حمضي

لم تكن الجملة التي قالتها الاعلامية المصرية هند الضاوي مجرد انفعال عابر، ردا على الفاعل السياسي وعضو حزب الليكود نائل الزغبي، خلال مناظرة تلفزيونية حول التصعيد في الشرق الاوسط. فقد اختارت ان تختصر موقفا كاملا في عبارة شعبية مصرية بسيطة: “عويل ولسانه طويل”.
صدى هذه العبارة بلغني وانا اتنقل بين شوارع القاهرة وأزقتها، حيث يتحول كل نقاش عابر الى مدخل لفهم أعمق لما يعيشه الناس وما يقولونه. فلم تكن العبارة مجرد رد، بل كانت موقفا لا يكتب في البيانات ولا يترجم في الاتفاقيات، لكنه حاضر بقوة في وجدان الناس.
في تلك اللحظة، لم تكن هند الضاوي تمثل نفسها فقط، بل كانت تنطق باسم مسافة كاملة تفصل بين ما تقرره السياسة وما يقبله المجتمع.
وهنا تبدأ الحكاية…
في القاهرة، لا تحتاج الى كثير من الجهد لتلمس هذه المسافة. فمن سائق التاكسي إلى الصحفي، ومن الموظف إلى الطالب، ومن المسلم إلى القبطي، يتكرر النقاش ذاته ولا يخرج عن صعوبة الحياة في مصر من جهة وقضايا الشرق الاوسط من جهة اخرى التي تعود بإلحاح مع كل موجة توتر، ليعود معها النقاش حول التطبيع، وكأنه سؤال مؤجل لا يغادر.
هنا يتغير الايقاع. وتصبح الكلمات أكثر حدة، والمواقف أكثر وضوحا.
الدولة المصرية لم يعد أحد ينكر عليها سيادة اختيارها لمسار سياسي محدد منذ كامب ديفيد في اواخر السبعينيات، ولا أحد يجهل منطقه. لكن، في المقابل، يكاد يكون هناك إجماع مصري صامت على أن التطبيع شيء آخر. (هذا كوم وذاك كوم).
هنا تتبلور التجربة المصرية.
فالتطبيع لم يتحول الى حالة مجتمعية عامة، بل بقي في اطاره الرسمي: علاقات دبلوماسية تحكمها مصالح دولة تعرف ما تريد. اما المجتمع، فقد احتفظ لنفسه بمسافة واعية دون صدام مع القرار السيادي، لكن ايضا دون انخراط وجداني فيه.
وهذا ليس رفضا صاخبا، ولا قطيعة مطلقة، بل نوع من التحفظ المستمر، يظهر في محدودية التبادل الثقافي، وحذر الجامعات، وحساسية الهيئات المهنية، وخطاب الاعلام. وكأن المجتمع يقول ‘ن ما تقرره السياسة يُفهم، لكن ما يشعر به المجتمع لا يفرض.
هذا التمييز بين السياسي والاجتماعي يعكس وعيا بأن السلام كخيار سياسي لا يعني قبولا ثقافيا او اندماجا نفسيا. فالاتفاقيات توقع، لكن القناعات لا توقع.
التجربة المصرية، بعد نصف قرن، تقدم مادة للتأمل. فالدولة تملك أدوات القرار، لكنها لا تملك مفاتيح القبول، والمجتمع قد يتفهم، لكنه لا يذوب. وقد أجمع الباحثون أن هذا النموذج خدم بوضوح موقف النظام المصري في كل المفاوضات اللاحقة.
ولعل الفن المصري التقط هذه المفارقة بذكاء. ففي فيلم السفارة في العمارة، فالأمر لا يتعلق فقط بحكاية جار يرفض وجود السفارة الاسرائيلية في نفس البناية، بل بصورة مكثفة عن مجتمع يجاور قرارا سياسيا دون ان يتماهى معه. السفارة قائمة، لكن حضورها يظل مثقلا بالتحفظ وذاكرة لا تقبل بسهولة فكرة الاعتياد.
ربما لهذا ظل التطبيع في مصر في حالة توازن دقيق:
سلام قائم دون تطبيع اجتماعي كامل.
قبول سياسي دون اندماج ثقافي.
ليست هذه ازدواجية، بل شكل من أشكال النضج. فالمجتمعات تطور آلياتها للتعامل مع قرارات كبرى دون صدام ودون استسلام.
وهنا يكمن الدرس: ليس كل اتفاق وقع فهو تطبيع.
وبين ما يقال وما لا يقال…
تختار السياسة طريقها، ويحتفظ المجتمع بحقه في المسافة.



