
بقلم: عبد الرفيع حمضي

في أحد أكثر المشاهد رسوخا في الذاكرة السينمائية العربية، ومن داخل عوالم فيلم الراقصة والسياسي، تقف بطلة العمل، الفنانة نبيلة عبيد، بثبات، في مواجهة رجل سياسة يجسده صلاح قابيل ،وجها لوجه، لتفاجئه بجملة تختزل المشهد كله: «نحن زي بعض… أنا بهز وسطي وإنت بتهز لسانك».

لم تكن عبارة عابرة في سياق درامي، بل ذروة حكاية كتبها الكاتب الكبير احسان عبد القدوس بذكائه المعهود، واخرجها سمير سيف بحس يلتقط التوتر بين عالمين. عالم يقدم نفسه كفن، وعالم يقدم نفسه كسلطة.
في تلك اللحظة لم نكن أمام رقصة فقط، ولا أمام خطاب سياسي فقط، بل أمام تشابه مقلق بين اداءين مختلفين في الظاهر، متقاربين في الاثر. ومن هنا تبدأ الحكاية في الواقع، لا في الفن السابع. هذا الفلاش باك ليس من باب الحنين الى الزمن الجميل للفن المصري، بل لان المناسبة شرط، كما يقول الفقهاء.
اقتراب الاستحقاقات الانتخابية أعاد إلى الفضاء العمومي خطابا سياسيا ملتبسا، يكثر فيه القول وتضعف فيه المصداقية، حتى اصبح يصدق عليه القول ان الكذب يكثر قبل الانتخابات، وخلال الحرب، وبعد الصيد.
لكن قبل هذا وذاك لا بد من التذكير بما هو أبعد من هذه اللحظة.
فالسياسة في جوهرها ليست مجرد كلام. منذ ارسطو الذي اعتبر الانسان كائنا سياسيا بطبعه، إلى ماكس فيبر الذي ميز بين أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية، ظل الفعل السياسي مرتبطا بفكرة التوجيه، لا بصيغة التمثيل فقط. فالسياسي لا يفترض فيه أن يساير المزاج العام، بل أن يرتقي به، وان يتحمل مسؤولية القرار.
وبذلك تظل السياسة شرطا أساسيا لاي مشروع تنموي. فلا اقتصاد بدون سياسة تؤطره، ولا علم بدون رؤية توجهه. السياسي يحدد الاتجاه، والتكنوقراطي ينفذ. وهذه من ثوابت علم السياسة.
فالسياسي لا يحدد الاتجاه لأنه اعلى مرتبة من غيره، بل لأنه يتحمل مسؤولية الاختيار امام المجتمع. فهو من يحول المطالب المتفرقة الى اولويات، ومن يوازن بين الممكن والمطلوب، وبين الكلفة والانتظار، وبين المصلحة الآنية والمصلحة العامة.
أما التكنوقراطي، فوظيفته ان يمنح هذا الاختيار ادوات التنفيذ، وان يحوله الى سياسات واجراءات وبرامج قابلة للإنجاز والقياس. لذلك لا تكون السياسة نقيضا للكفاءة، ولا يكون التدبير التقني بديلا عنها. فحين يغيب القرار السياسي، تتحول الخبرة الى ادارة بلا افق، وحين يغيب البعد التقني، تتحول السياسة الى خطاب بلا أثر.
غير ان الخطر يبدا حين تتحول المناسبات السياسية، بما لها من قدسية واجبة، الى مساحة للمزايدات اللفظية.
وحين يختزل الخطاب السياسي في تصريحات للاستهلاك اللحظي، يفقد وزنه ويصبح أقرب الى شطحات في الكلام. تتطاير الكلمات أكثر مما تستقر المعاني. وكأننا امام ايقاع لغوي سريع، تهتز فيه العبارات كما يهتز الجسد، حيث ينزلق الخطاب الى تبسيط القضايا واستدعاء العاطفة على حساب الدقة.
منذ الاستقلال، راكمت بلادنا تجربة انتخابية مهمة، بما لها وما عليها. تعددت محطاتها وتنوعت رهاناتها. لكن اليوم، يجد الفاعل السياسي المغربي نفسه امام مواطن من نوع آخر؛ جزء منه يعيش الواقع، وجزء أكبر يصنعه الفضاء الافتراضي.
فهل نحن أمام خطاب يحترم عقول الناس، ام مجرد سباق نحو التأثير اللحظي؟
لم يعد الفرق في البرامج كما تكتب، بل في الجدية التي تجسد بها، وفي الصدق الذي تحمله، وفي احترام المواطنين باعتبارهم شركاء لا جمهورا. فالبرنامج، اذا لم يسنده وضوح في الرؤية ومصداقية في الالتزام، يتحول الى مجرد وعد عابر.
والمعروف ان الثقة لا تبنى بكثرة الكلام، بل بصدقه.
وهنا تعود دلالة المشهد السينمائي. فالراقصة عندما تقدم عرضا، يدرك الجمهور ذلك. اما السياسي، اذا تحول خطابه الى عرض، فانه يضعف الثقة في السياسة نفسها، لا في شخصه فقط.
لان السياسة ليست فرجة، بل مسؤولية واختيار والتزام. ولا ينبغي ان تختزل في كثرة الكلام، والا كانت الخسارة جماعية لا فردية.
وعندها يصبح الفرق محصورا فيمن “يهز” أكثر…
وبين ما يقال وما لا يقال، تقاس جدية السياسة.



