نزهة العلوي تروي:هكذا واجهت لطيفة الجبابدي الاعتقال والتعذيب


خلال حفل تكريم المناضلة الحقوقية والسياسية لطيفة الجبابدي، الذي نظمته مؤسسة الفقيه التطواني،عادت الأستاذة نزهة العلوي بذاكرتها إلى البدايات الأولى لعلاقة جمعتها بالمحتفى بها من سنة 1973 إلى اليوم.
استحضرت فيها محطات من صداقة متينة ومسار نضالي مشترك امتد لأكثر من خمسة عقود، مقدمة شهادة مؤثرة، تضمنت معطيات ذات قيمة توثيقية، كشفت بعض ما تعرضت له الجبابدي من اعتقال وتعذيب وملاحقات خلال مرحلة اتسمت بالتضييق على الأصوات المعارضة، مبرزة قوة شخصيتها وإصرارها على مواصلة النضال رغم كل المحن.


نزهة العلوي: لطيفة الجبابدي عنوان لنصف قرن من النضال والصمود
يصعب تقديم شهادة في حق العزيزة لطيفة في الحيز المتاح من الزمن، لأن الأمر يتطلب ساعات من الحفر في الذاكرة لتناول كل جوانب هذه الشخصية الفذة.
كان أول لقاء بيني وبين العزيزة لطيفة سنة 1973 ومنذ ذلك التاريخ لم نفترق.
جمعتنا في البداية منظمة 23 مارس السرية، كنا نجتمع في إطار خلية نسائية ثلاثية، نلتقي مرة في الأسبوع لمناقشة الوضع السياسي الوطني والعربي والدولي، وكذا لقراءة وتحليل بعض الكتب الماركسية اللينينية.
لطيفة بدأت العمل النقابي والسياسي وهي لا تزال تلميذة بمدينة تزنيت ثم أكادير، وعندما انتقلت أسرتها إلى مدينة الرباط انخرطت مباشرة في العمل الجمعوي، فقد كانت عضوة نشيطة في جمعية “أعن أخاك” بحي التقدم حيث كانت تقدم دروسا في محو الأمية، كما كانت نشيطة في جمعية الأوراش بنفس الحي.
كانت تمتلك طاقة كبيرة في العمل وقدرة خلاقة على الابتكار والاقتراح والمبادرة ورغبة جامحة في التغيير.
إلى أن عرف المغرب سنة 1977 حملة واسعة من الاعتقالات في صفوف اليسار، وفي خضمها تم اعتقال الرفيقة لطيفة وتم أخذها إلى مكان مجهول.
كان ذلك مفاجأة كبرى بالنسبة لي لكوني كنت أقرب الناس إليها تنظيميا كما كان الحدث مفاجئا للتنظيم لأننا لم نعرف سبب الاعتقال.
عرفت بعد ذلك أن اعتقال لطيفة كان الضريبة التي أدتها بسبب موقفها من قضية الصحراء المغربية، فقد كانت تحاول إقناع بعض الانفصاليين بمغربية الصحراء إلا أن النتيجة كانت الوشاية بها واتهامها بالموقف المعاكس.
بعد حوالي 6 أشهر ظهرت لطيفة ومجموعة كبيرة من المعتقلين السياسيين تجاوزت المائة بسجن سيدي سعيد بمدينة مكناس.
زرت لطيفة بالسجن وكنت آنذاك لا أزال محامية متمرنة بمكتب الأستاذ النقيب عبد الرحمن بنعمرو.
وجدتها رغم ظروف الاعتقال والتعذيب الذي مورس عليها ورغم شروط الحياة القاسية بالسجن صامدة قوية متفائلة، تناضل من داخل الزنزانة لتحسين شروط عيش السجينات، وتتطلع لمتابعة الوضع خارج السجن.
قضت بالسجن حوالي سنتين وغادرته بقرار من قاضي التحقيق بالسراح المؤقت بعد تعرضها لأزمة قلبية كادت تودي بحياتها.
وظلت في وضعية السراح المؤقت إلى أن صدر العفو الملكي عن كافة المعتقلين السياسيين ليطوى هذا الملف بصفة نهائية دون أن يصدر فيه حكم.
اشتغلت لطيفة بالعمل النقابي وكادت تعتقل من جديد خلال إضرابات سنة 1981.
واشتغلت في مجال حقوق الإنسان خلال الفترة التي عرفت تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
وقد تم تعيينها فيما بعد عضوة بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ثم المرأة الوحيدة بهيئة الإنصاف والمصالحة.
لكن أهم قضية ارتبط بها اسم لطيفة هي قضية المرأة، فقد كان وعيها النسائي متقدما على بنات جيلها، وكان إيمانها بحقوق النساء وبالمساواة بين الجنسين مسألة راسخة، كانت ممارسة وأسلوبا في الحياة وقضية وهبت لها حياتها.
دور لطيفة كان أساسيا في جعل قضية المرأة مسألة محورية، فقد كانت أول من اقترح تأسيس جريدة نسائية تهتم بقضايا المرأة وحقوقها، ولم تكتف بمجرد الاقتراح، بل أعدت تصورا مدققا حول طبيعة الجريدة وأركانها وأبوابها، وصدر أول عدد من جريدة 8 مارس في شهر نونبر من سنة 1983، وكانت لطيفة هي رئيسة تحرير الجريدة، وكانت
تنشر بها العديد من المقالات المؤسسة لقضايا تحرر المرأة.
سنة 1987 تم تأسيس اتحاد العمل النسائي الذي جاء كتتويج للديناميكية التي خلقتها جريدة 8 مارس النسائية.
وانتخبت لطيفة كأول رئيسة لاتحاد العمل النسائي، وعلى عهدها تم فتح العديد من الملفات لعل أهمها حملة المليون توقيع من أجل تغيير مدونة الأحوال الشخصية والتي انطلقت يوم 8 مارس 1992.
لم تكن لطيفة مجرد مساهمة في الحملة، بل قائدتها، ونجحت الحملة وجمعنا آلاف التوقيعات من كل أنحاء المغرب لدرجة أخافت المحافظين وجعلت بعضهم يفتي بإعدام النساء اللواتي كن وراء العريضة والحملة.
بصمات لطيفة واضحة في كل محطات النضال من أجل تغيير المدونة سواء قبل سنة 2004 أو بعدها، فقد كانت تحرص دائما على المساهمة في إعداد السند النظري والفكري لمطالب التغيير التي تقدم بها اتحاد العمل النسائي.
وفي المجال السياسي كان للطيفة دور فعال في لجنة التنسيق بين نساء
الأحزاب السياسية التي كانت تضم في البداية نساء أحزاب الكتلة ثم انفتحت على نساء بقية الأحزاب سنة 2001 بمناسبة النقاش حول القانون التنظيمي لمجلس النواب.
وكان من نتائج ترافع اللجنة اعتماد اللائحة الوطنية بمجلس النواب خلال انتخابات 2002 كآلية لانتخاب النساء.
ومن داخل البرلمان حرصت لطيفة على الترافع من أجل الحقوق السياسية للنساء وساهمت ضمن منتدى النساء البرلمانيات من أجل تعديل مدونة الانتخابات.
لطيفة رغم وضعيتها الصحية لا زالت تشتغل بالمكتب التنفيذي لاتحاد العمل النسائي، وتحرص على المساهمة الفعالة والفعلية في إعداد المذكرات المطلبية وفي تأطير الندوات والمحاضرات.
لا زالت حريصة كما كانت دوما على الاهتمام بالشابات وتأطيرهن وتشجيعهن على تحمل المسؤولية وعلى التعبير عن رأيهن وعلى تجاوز المعيقات التي يصادفنها.
لطيفة متعددة المواهب والصفات، ولكن أهم صفاتها هي الطيبوبة، قوة العزيمة والجرأة في التعبير عن المواقف والإبداع الخلاق.
دمت صديقتي العزيزة دائمة التألق، ودامت لك الصحة والعافية.



