انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

عيد الأضحى… هل سيعود زمن “لوزيعة” أو “تمشرط”؟

بقلم: عبد الرفيع حمضي

عاد المطر هذا العام، وكأن السماء أرادت أن تمنحنا شيئًا من الطمأنينة بعد سنوات طويلة من الجفاف والقلق، فشعر الناس بأن الأرض استعادت بعضًا من روحها. لكن هذا الأمل الذي حملته الأمطار سرعان ما عكرته “تماسيح” السوق، الذين جعلوا ثمن أضعف خروف (بدون قرون) يتجاوز الحد الأدنى للأجر، بل يبتلع حتى الزيادة التي جاءت بها جولات الحوار الاجتماعي. وهكذا عاد السؤال: هل ما يزال عيد الأضحى شعيرة دينية بسيطة، أم تحول إلى عبء اجتماعي واقتصادي يثقل كاهل الأسر داخل مجتمع تغيرت بنيته وأنماط عيشه بشكل عميق؟

المشكلة أن المجتمع، في القضايا المرتبطة بالتدين، يميل أحيانًا إلى التشدد الاجتماعي أكثر من التشدد الفقهي نفسه. فكلما تراجع الخطاب التوعوي الهادئ والواضح، وتراجعت المؤسسات الدينية عن دورها التأطيري القريب من الناس والمدرك لتحولات المدن وأنماط العيش، تقدم “حكم المجتمع” إلى الواجهة، وأصبح كثير من الناس يخافون من نظرة الجيران والأقارب أكثر مما يفكرون في جوهر الشعيرة ومعناها الحقيقي. وهكذا تتحول السنة، بالتدريج، من ممارسة دينية مرتبطة بالاستطاعة والرحمة والتوسعة، إلى التزام اجتماعي أشد قسوة من الواجب الديني نفسه.

فماذا يقول الفقهاء حين تتحول الأضحية من شعيرة للتوسعة والتراحم إلى مصدر للضغط النفسي والاجتماعي؟ وماذا يقولون حين تصبح سببًا في الاستدانة أو الإذلال أو الإضرار بالتوازن المالي للأسرة؟

هنا تحديدًا يبرز سؤال “الاستطاعة” أو “القدرة”.

ففي جوهرها، الأضحية سنة مرتبطة بالقدرة، لكن يبدو أن هذا المفهوم اختُزل فقط في القدرة على شراء الكبش، بينما المعنى الحقيقي أوسع بكثير. فالقدرة ليست مجرد امتلاك ثمن الأضحية، بل أيضًا القدرة على ممارستها دون ضرر أو أذى للنفس والأسرة والجيران.

فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. فأكثر من سبعين في المائة من السكان يعيشون داخل المدن، وكثير منهم في شقق وإقامات مشتركة، حيث تتداخل الحياة الخاصة مع المجال الجماعي، وحيث أصبحت أسئلة النظافة والصحة وراحة الجيران جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

فأي معنى تبقى للسنة حين تتحول بعض الأحياء إلى فضاءات للنفايات والروائح ومخلفات الذبح؟ وأي معنى للشعيرة حين يصبح الجار مضطرًا لإغلاق نوافذه هربًا من الدخان والفوضى؟

الفقه الإسلامي نفسه قام على قاعدة واضحة: “لا ضرر ولا ضرار”. بل إن روح الشريعة قائمة على رفع الحرج وحفظ مصالح الناس. ولذلك، عندما تتحول الممارسة من شعيرة تحمل معاني الرحمة والتضامن إلى مصدر للأذى والفوضى، يصبح من الطبيعي إعادة التفكير في طريقة تنزيلها داخل واقع اجتماعي وعمراني جديد.

ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم إلى نقاش هادئ ومسؤول حول عيد الأضحى باعتباره أيضًا قضية اجتماعية وثقافية وعمرانية، لا مجرد موضوع فقهي معزول عن الواقع. فالمطلوب ليس التقليل من قيمة الشعيرة، بل إعادة وضعها داخل معناها الديني الطبيعي، بعيدًا عن المبالغة والاستعراض والضغط الجماعي.

وربما لهذا السبب بالذات، يعود اليوم الحديث عن “لوزيعة” أو “تمشرط” بالأمازيغية. ولعل ما يمنح هذه الفكرة معناها العميق أنها لم تكن مجرد طريقة لتقاسم اللحم، بل تقليدًا اجتماعيًا مغربيًا قديمًا قائمًا على المساواة والتضامن، حيث كان أهل القرية يشتركون في شراء الذبائح وتوزيعها بالتساوي بين الجميع، في طقس جماعي يعكس روح التكافل أكثر مما يعكس منطق الاستعراض الفردي.

وبين ما يقال وما لا يقال… ربما حان الوقت لكي نبحث عن روح العيد، لا فقط عن شكله.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا