انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

المغرب… فرنسا: ثلاثة أهداف

حديث الاربعاء

بقلم: عبد الرفيع حمضي

كثيرون هم المنكبون في هذه الساعات التي تسبق مساء غد االخميس 9 يوليوز 2026 في حساب الاحتمالات. هل سيجد كيليان مبابي طريقه إلى الشباك؟ وهل يواصل أشرف حكيمي تحويل الرواق الأيمن إلى قطعة من السحر الكروي؟ وهل ينجح بوعدي في خطف الأضواء من الأسماء الكبيرة؟ ومن سيكون صاحب الهدف الأول؟ بل إن بعض المحللين سيقضون ساعات إضافية في رسم الأسهم على الشاشات، وتفكيك الخطط، والحديث عن الضغط العالي والاستحواذ والكرات الثابتة، وكأن مصير العالم سيتوقف على تسعين دقيقة من كرة القدم.

لكن، بين المغرب وفرنسا، ليست كل الأهداف تسجل داخل المستطيل الأخضر. خلال الأيام نفسها، هناك مباراة أخرى أكثر هدوءا، لكنها أشد تأثيرا، مباراة الخميس قد تنتهي بفائز أو خاسر، لكن المؤكد أنها ستكون مجرد صافرة البداية لأسبوع مغربي فرنسي استثنائي، ستتولى فيه الدبلوماسية مواصلة المباراة، وهذه المرة ستكون الأهداف أكثر هدوءا… وأكثر بقاء.

الهدف الأول سجل، في الواقع، قبل أن يلتقي المنتخبان فوق أرضية الملعب. فقد شكل الاعتراف الفرنسي الواضح والصريح بمغربية الصحراء نقطة تحول حقيقية في العلاقات بين الرباط وباريس، منهيا سنوات من الغموض والحسابات المترددة. ولم يكن الأمر مجرد إعلان دبلوماسي، بل تأسيسا لمرحلة جديدة تقوم على وضوح المواقف، وإعادة بناء الثقة، والانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء الشراكة. وفي العلاقات الدولية، قد يكون وضوح الموقف أهم من أي اتفاق يُوقع لاحقا.

أما الهدف الثاني، فسيكون يوم 15 يوليوز، عندما تحتضن الرباط أشغال اللجنة العليا المغربية الفرنسية المشتركة، برئاسة رئيسي حكومتي البلدين. وهذا الموعد يتجاوز الطابع البروتوكولي للاجتماعات الثنائية، لأنه سيكون أول اختبار عملي للمرحلة الجديدة. فملفات الهجرة، والاستثمار، والطاقة، والتعاون الأمني، والابتكار، والتعليم، والثقافة، ستكون كلها على طاولة واحدة، في أفق التوقيع على اتفاقيات تمنح الشراكة المغربية الفرنسية مضموناً تنفيذيا، وتنقلها من مرحلة إعلان النوايا إلى مرحلة الإنجاز.

ويبقى الهدف الثالث هو الأكبر والأبعد أثرا، ويتمثل في زيارة الدولة المرتقبة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الجمهورية الفرنسية، وهي الزيارة التي أعلن عنها مسؤولون ودبلوماسيون من البلدين خلال شهر ماي الماضي، في انتظار الإعلان عن موعدها الرسمي. فالحديث هنا لا يتعلق بزيارة بروتوكولية، بل بمحطة يُنتظر أن تؤسس لاتفاقية استراتيجية غير مسبوقة، ستكون الأولى التي تبرمها فرنسا مع دولة من خارج الفضاء الأوروبي، بما يرسم أفق العلاقات المغربية الفرنسية خلال السنوات، وربما العقود المقبلة.

ولعل أهم ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة أن المغرب اختار أن يبني علاقته مع فرنسا بمنطق المستقبل، لا بمنطق الذاكرة وحدها. فالتاريخ يظل جزءا من هوية الأمم، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى قيد يمنعها من بناء مصالحها. والدبلوماسية الناجحة ليست تلك التي تعيش على استحضار الماضي، بل تلك التي تعرف كيف تحوله إلى رصيد لبناء المستقبل.

ولهذا، فإن ما يحدث بين الرباط وباريس يستحق المتابعة أكثر من نتيجة مباراة في كرة القدم. فالمباريات الرياضية، مهما بلغت أهميتها، تنتهي بصافرة الحكم، أما المباريات الدبلوماسية فتقاس نتائجها بما تتركه من أثر في الاقتصاد، والاستثمار، والأمن، والثقافة، وثقة الشعوب في مستقبلها المشترك.

قد يفوز المغرب مساء الخميس، وذاك ما نتمناه وقد تفوز فرنسا. لكن الأكيد أن العلاقات المغربية الفرنسية تبدو، هذه الأيام، في أفضل حالاتها، وأن الأهداف الثلاثة الحقيقية لن تُسجل في شباك أي منتخب، بل في سجل شراكة اختارت أن تنظر إلى العقد المقبل أكثر مما تنظر إلى القرن الماضي.

وبين ما يقال وما لا يقال… أجمل الأهداف هي تلك التي لا يراها حكم المباراة، بل يكتبها التاريخ.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا