انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

لايبوفيتش والصراع بين الدين والدولة في إسرائيل

الدين والدولة… سؤال لا يزال مفتوحاً

بقلم: شكيب حلاق*

يُعدّ يشعياهو لايبوفيتش (1903-1994) واحداً من أبرز المفكرين اليهود في القرن العشرين، ليس فقط بسبب تكوينه العلمي والفلسفي الواسع، بل أيضاً بسبب جرأته في طرح أسئلة ظلت تؤرق المجتمع الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة. ومن بين هذه الأسئلة يبرز سؤال العلاقة بين الدين والدولة، وهو السؤال الذي شكّل محوراً أساسياً في فكره وكتاباته.

ينطلق لايبوفيتش من ملاحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها: المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة واحدة متجانسة، بل يتكون من تيارات متعددة تختلف في رؤيتها لمصدر الشرعية والقيم التي ينبغي أن تحكم الحياة العامة. فهناك العلمانيون، والمتدينون، والتقليديون، والمتدينون القوميون، ولكل فئة تصورها الخاص للدولة ولمكانة الدين داخلها.

واليوم لم يعد هذا الانقسام مجرد مسألة نظرية، بل أصبح واقعًا ملموسًا في الحياة اليومية. فقد تحول إلى خط فاصل تلتقي عنده هذه العوالم المختلفة دون أن تمتزج فعليًا؛ فنادرًا ما يجلس أفرادها إلى المائدة نفسها بسبب القواعد الصارمة المتعلقة بالطعام الحلال وفق الشريعة اليهودية (الكشروت)، كما أن الزواج بينهم يبقى استثنائيًا بسبب غياب الزواج المدني واحتكار المحاكم الحاخامية لشؤون الزواج، بل إن هذا التباعد يمتد حتى إلى ما بعد الموت مع ظهور مقابر علمانية منفصلة.

ويرى المفكر الإسرائيلي أن هذا الانقسام لا يقتصر على النقاشات السياسية أو الخلافات الحزبية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالفجوة بين هذه المكونات أصبحت ملموسة في أنماط العيش والزواج والتعليم وحتى في طريقة النظر إلى الدولة نفسها. لذلك اعتبر أن ما تعيشه إسرائيل ليس أزمة سياسية عابرة، بل ما يشبه “الصراع الثقافي” العميق حول هوية المجتمع ومستقبله.

ولفهم جذور هذا التوتر، يعود لايبوفيتش إلى التاريخ اليهودي ذاته. فالشريعة اليهودية، أو “الهالاخاه”، تطورت عبر قرون طويلة في ظروف الشتات، حين كان اليهود يعيشون من دون دولة أو سلطة سياسية خاصة بهم. ولهذا السبب لم تُبنَ هذه الشريعة أصلاً لتدبير مؤسسات الدولة الحديثة أو معالجة قضاياها المعقدة المرتبطة بالجيش والإدارة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

ومع قيام دولة إسرائيل الحديثة، وجد اليهود أنفسهم أمام وضع جديد وغير مسبوق: دولة قومية تسعى إلى الجمع بين الهوية اليهودية ومبادئ الديمقراطية الحديثة. وهنا برز السؤال الذي شغل لايبوفيتش: هل يمكن للتقاليد الدينية أن تتعايش مع مؤسسات الدولة الحديثة دون أن تهيمن إحداهما على الأخرى؟

في بداية مساره الفكري، كان يأمل في إمكانية تجديد الشريعة اليهودية وتطويرها بما يسمح لها بمواكبة متطلبات العصر. غير أنه انتهى إلى قناعة مختلفة بعدما لاحظ صعوبة إحداث إصلاحات جوهرية داخل المؤسسة الدينية. ومن هنا تبنى موقفاً أكثر وضوحاً يدعو إلى الفصل بين الدين والدولة.

لكن المفارقة أن دعوته إلى هذا الفصل لم تكن نابعة من موقف معاد للدين، بل على العكس تماماً. فقد كان يرى أن الخطر الحقيقي يكمن في توظيف الدين لخدمة السلطة السياسية. وعندما تصبح المؤسسات الدينية جزءاً من جهاز الدولة، فإنها تفقد استقلاليتها الأخلاقية وقدرتها على مساءلة السلطة ونقدها. لذلك كان يعتبر أن الفصل بين المجالين هو في جوهره حماية للدين أكثر مما هو حماية للدولة.

ومن المواقف التي جعلته شخصية مثيرة للجدل أيضاً انتقاده المبكر للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد حرب 1967. فقد حذر من أن استمرار السيطرة على شعب آخر لا يضر فقط بالمجتمع الواقع تحت الاحتلال، بل ينعكس أيضاً على القيم الأخلاقية للمجتمع الذي يمارس هذه السيطرة.

اليوم، وبعد عقود من رحيله، ما تزال أفكار لايبوفيتش حاضرة بقوة في النقاشات الإسرائيلية حول القضاء، والخدمة العسكرية، والأحوال الشخصية، وحدود سلطة المؤسسات الدينية. وربما تكمن أهمية فكره في أنه يطرح سؤالاً يتجاوز الحالة الإسرائيلية نفسها: كيف يمكن للمجتمعات الحديثة أن توازن بين المرجعيات الدينية ومتطلبات الدولة الديمقراطية؟

إنه سؤال لم يجد جواباً نهائياً بعد، لكنه يظل من أكثر الأسئلة إلحاحاً في عالمنا المعاصر.

*النص مترجم بتصرف عن الفرنسية.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا