أنا لِسّه طفلة… مش مرَة

حديث بسمة/ عزيزة حلاق
كنت أشاهد برنامجًا على إحدى القنوات اللبنانية، أتابع حوارًا مع طفلة في الثالثة عشرة من عمرها زُوِّجت قسرًا. حرصت القناة على نقل شهادتها بلهجتها المحلية كما هي، دون تجميل أو تهذيب، لأن بعض الكلمات حين تُقال بلغتها الأم تكون أصدق من أي ترجمة.
لم يكن الحوار استثنائيًا لأن الضيفة طفلة، بل لأن الطفلة كانت أكثر وعيًا من كل الكبار الذين قرروا مصيرها.
كلما سألها الإعلامي سؤالًا، كانت تعود إلى الجملة نفسها: “ما كنت بعرف شي.”
لا تعرف معنى الزواج، ولا تعرف ما الذي يحدث لجسدها، ولا لماذا نزفت دمًا في ليلة كان يُفترض أن تكون، في نظر المجتمع، “ليلة فرح”. كانت خائفة، مرتبكة، تتألم، بينما كان الآخرون يحتفلون بإتمام زواج لا تملك حتى القدرة على فهمه.
أي عقد يمكن أن يكون صحيحًا إذا كان أحد طرفيه لا يعرف حتى معنى ما يوقّع عليه؟
لكن اللحظة التي هزتني لم تكن حديثها عن الألم، بل حديثها عن المدرسة.
سألها الإعلامي:
“شو المدرسة بالنسبة إلك؟”
فأجابت بعفوية تختصر فلسفة التربية كلها:
“المدرسة كل شي… هي اللي بتعطي القوة للبنات، وبتعلمها، وبتعطيها شخصيتها.”
توقفت طويلًا عند هذه العبارة.
كم من مسؤول يتحدث عن التعليم بلغة الخطب، ولا يستطيع أن يختصر قيمته كما اختصرته هذه الصغيرة في جملة واحدة!
هذه الطفلة لم تطلب لعبة، ولم تطلب هاتفًا، ولم تطلب ثيابًا جديدة. كل ما أرادته هو أن تعود إلى مقعدها الدراسي، إلى صديقاتها، إلى حقيبتها المدرسية، إلى حياتها التي سُرقت منها قبل أن تبدأ.
وحين سألها: “بتفضلي تكوني متزوجة ولا بالمدرسة؟” لم تتردد لحظة:
“بالمدرسة.”
ثم جاءت الجملة التي يجب أن تُدرّس لكل من لا يزال يدافع عن تزويج القاصرات:
“أنا لِسّه طفلة… مش مرَة.”
انتهى الحوار، لكن صداه لم ينتهِ.
إضافة إلى سطوة العادات والتقاليد، هناك وجه أكثر قسوة للمأساة، يتمثل في المتاجرة بالطفلات تحت ذرائع الحاجة والفقر، أو تسويق تزويجهن بوصفه مخرجًا اقتصاديًا للأسرة. فالقضية ليست لبنانية فقط، وليست مغربية فقط، ولا تخص بلدًا عربيًا دون آخر؛ إنها جرح عربي مفتوح، تتبدل لهجاته وتتشابه آلامه. في كل مجتمع نجد طفلة حُرمت من التعليم باسم العادات أو الفقر، وسُلبت طفولتها باسم الستر، أو تحولت إلى سلعة تُقايض بها الأسرة ضيق العيش، وحُمّلت مسؤولية الزواج والأمومة قبل أن تنهي واجباتها المدرسية. تختلف الأسماء والذرائع، لكن النتيجة واحدة: طفولة تُختطف، ومستقبل يُصادر، وحق أساسي يُنتزع من فتاة كان ينبغي أن يكون مكانها في المدرسة لا في بيت الزوجية.
لا يمكن لأي مجتمع أن يتحدث عن التنمية، وهو يسمح بخروج طفلة من المدرسة لتدخل قفص الزواج. ولا يمكن أن نتغنى بحقوق المرأة، ونحن نصمت عن أول حق يُسلب منها وهي طفلة: حقها في أن تكبر.
أؤمن أن كل طفلة يجب أن تحمل كتابًا قبل أن تحمل مسؤولية بيت، وأن ترتدي حقيبة المدرسة قبل أن تُفرض عليها مسؤوليات الزواج. فالمكان الطبيعي لطفلة في الثالثة عشرة ليس غرفة الزوجية، بل الفصل الدراسي.
وأمام كل المرافعات القانونية والدينية والاجتماعية، تبقى شهادة هذه الصغيرة هي الأبلغ، والأكثر إدانة، والأكثر صدقًا:
“أنا لِسّه طفلة… مش مرَة.”
لعلها جملة تهز الضمير العربي، وتدفعنا إلى أن نعيد لكل طفلة حقها في طفولتها، وفي تعليمها، وفي مستقبل تختاره بنفسها، لا يُفرض عليها باسم أي مبرر.


