انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
حديث بسمة

وراء نجومية لامين يامال… جدة مغربية صنعت الحكاية..

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

في تصريح يعكس نضجًا يتجاوز سنوات عمره، سُئل النجم لامين يامال عن كيفية تعامله مع ضغط المباريات الكبرى وشهرة النجومية المبكرة، فأجاب بكلمات أثارت إعجاب الملايين: “الضغط؟ أمي أنجبتني وهي في السادسة عشرة من عمرها… أبي كان يجمع أشياء من الشارع ليطعمنا. هذا هو الضغط الحقيقي.”

ربما تختصر هذه الكلمات سر شخصية لامين يامال كلها؛ فهي تكشف أن الفتى الذي يبهر العالم اليوم لم ينسَ الطريق الذي جاء منه، ولا الأشخاص الذين صنعوا بداياته.

ليس كل الأبطال تصنعهم الملاعب. بعضهم تبدأ حكايتهم في بيت بسيط، على يد جدة تزرع في حفيدها القيم قبل الأحلام، وتمنحه من دفء العائلة ما يكفي ليبقى متواضعًا مهما بلغ من مجد.

من شقة صغيرة كان المطبخ وغرفة النوم فيها فضاءً واحدًا، إلى المساهمة في وصول منتخب إسبانيا إلى نصف نهائي كأس العالم 2026 وهو في الثامنة عشرة من عمره، يواصل لامين يامال كتابة قصة تؤكد أن الاجتهاد، والعائلة، والأمل، قادرة على تغيير مسار الحياة.

هذه هي الحكاية التي تستوقفني في مسيرة لامين يامال. فالعالم يعرفه اليوم باعتباره أحد أبرز نجوم كرة القدم، وموهبة استثنائية خطفت الأنظار في سن مبكرة، لكنه يقدم، في المقابل، صورة مختلفة عن نجم لم تسمح له الشهرة بأن ينسى من صنعوا بداياته.

ولد لامين في إسبانيا لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، واختار رياضيًا تمثيل المنتخب الإسباني، لكنه لم يتنكر يومًا لجذوره المغربية، بل ظل يعبّر عن اعتزازه بها، مؤكدًا أن الإنسان لا يحمل هوية واحدة، وإنما يحمل في داخله أثر كل من أسهموا في تشكيل شخصيته.

وفي قلب هذه الحكاية تقف جدته المغربية، المرأة البسيطة التي تبدو، في كل ظهور معها، أكثر من مجرد جدة. إنها الذاكرة الأولى، والملاذ الذي يعود إليه كلما ابتسم له المجد. هي التي غرست فيه قيم التواضع والاحترام، وربطته بالعائلة وبالأصل، حتى أصبح حضورها في لحظات انتصاره امتدادًا طبيعيًا لرحلة بدأت معها قبل أن يعرفه العالم.

ولعل أكثر ما يمنح هذه العلاقة عمقًا، أن جدته نفسها خاضت رحلة هجرة قاسية من المغرب إلى إسبانيا، عابرةً البحر على متن أحد قوارب “الموت”، حاملةً معها الأمل أكثر مما تحمل من متاع. لم تكن تملك سوى حلم بحياة أفضل، فعملت في وظائف متواضعة، وواجهت قسوة الغربة حتى استطاعت أن تفتح بابًا لمستقبل الأسرة، قبل أن يلتحق بها ابنها لاحقًا. وربما لهذا ظل لامين يرى في جدته أكثر من فرد من العائلة؛ يراها رمزًا للتضحية والكفاح، وجسرًا يربطه بجذوره المغربية.

أما والده، فقد كان  أكثر من مجرد أب؛ كان صديقه الأقرب. فقد أنجبه وهو في الثامنة عشرة من عمره، بينما كانت والدته في السابعة عشرة، لذلك لم تكن الفجوة العمرية بينهما كبيرة. هذا القرب في السن ساهم في بناء علاقة خاصة، امتزج فيها دور الأب بالصديق، وهو ما تحدثت عنه الجدة في أكثر من مناسبة، مؤكدة أن هذه العلاقة القائمة على الثقة والدعم كان لها أثر واضح في تشكيل شخصية لامين.

ورغم انفصال والديه في وقت مبكر، لم تنفرط خيوط العائلة، بل ظل قريبًا من كليهما، يحمل لهما الامتنان نفسه، ويحرص على إظهار حبه ووفاءه لهما في أكثر من مناسبة. كما تجمعه علاقة دافئة بشقيقه الأصغر من زواج والدته، في مشاهد تعكس أسرة استطاعت، رغم الطلاق، أن تنتصر للمحبة، وأن تجعل مصلحة الابن واستقراره فوق كل اعتبار.

وليس غريبًا بعد ذلك أن يحرص، في أكثر من مناسبة، على أن تكون جدته إلى جانبه في لحظات الفرح والنجاح، وكأن حضوره لا يكتمل إلا بحضورها. فبين صور الاحتفال بالكؤوس والمباريات، تبدو تلك المرأة المغربية البسيطة وكأنها الشاهد الصامت على رحلة بدأت بالحلم، وانتهت بأن أصبح حفيدها واحدًا من أبرز نجوم كرة القدم في العالم.

إن قصة لامين يامال ليست مجرد قصة لاعب كرة قدم موهوب، بل هي قصة جذور، وهجرة، وثمرة زواج مختلط، وعائلة آمنت بأن التربية هي الاستثمار الحقيقي، وأن النجاح لا يقاس بعدد الأهداف فقط، بل أيضًا بالقدرة على الاحتفاظ بالقيم في زمن تتغير فيه الأشياء بسرعة.

ربما لهذا أحبه الملايين. ليس لأنه يراوغ المدافعين ببراعة فحسب، بل لأنه يراوغ أيضًا آفة النسيان؛ فلا ينسى أصله، ولا يخجل من جذوره، ولا يستبدل دفء العائلة ببريق الشهرة.

وربما لهذا أيضًا، كلما رأيت لامين يامال يبتسم بعد انتصار، لا أرى لاعبًا يحتفل بهدف أو يرفع كأسًا، بقدر ما أرى حفيدًا يحمل جدته معه إلى المجد، ويبرهن أن الوفاء يبقى أجمل انتصار يحققه الإنسان.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا