
حديث بسمة/ عزيزة حلاق


لم تكن حياة فيروز مفروشةً بالأغاني وحدها، بل بالأوجاع الصامتة أيضًا. خلف الصوت الذي صار ذاكرةً جماعية، كانت هناك امرأة تُجيد احتمال ما لا يُحتمل، وتمشي في دروب الفقد بخطى ثابتة، وإن كان القلب مثقلاً.
فبعد أقل من ستة أشهر على رحيل زياد الرحباني، تودّع فيروز ثالث أبنائها، هالي.
عرفت فيروز الفقد مبكرًا: برحيل زوجها عاصي الرحباني عام 1986، ثم ابنتها ليال عام 1988، ثم زياد… وصولًا إلى هذا الفقد الأخير الذي يُكمل دائرة الألم.
زياد لم يكن مجرد ابن، بل حالة فكرية وفنية وروحية. كان امتدادها المختلف: المتمرّد، الذكي، المقلق والمُلهم في آن. فيه وجدت فيروز من يُشبهها ويُناقضها، من يحمل العبء الإبداعي ويُعيد طرح الأسئلة. لم تكن العلاقة بينهما سهلة، لكنها كانت عميقة، معقّدة، وحقيقية. كان زياد لها السند والقلق معًا، الضوء والظل، واستمرار الاسم في زمن تغيّر فيه كل شيء.
أما هالي، الذي رحل قبل يومين، فهنا يكمن الوجه الأكثر إنسانية في سيرة فيروز الأسطورة.
هالي، ابنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، لم يكن يومًا هامشًا في حياتها، بل مركزًا خفيًا للدائرة. ثمانية وستون عامًا من الرعاية، من الصبر اليومي، من أمومة لا تعرف التقاعد. ستة عقود وأكثر، كانت فيها فيروز، بعيدًا عن الأضواء، أمًّا كاملة: حاضنة، حارسة، رقيقة، تُمسك بيد ابنها كما لو أن العالم أقسى مما يجب.
لم تُحوِّل هالي إلى قصة شفقة، ولم تسمح أن يكون مادة استعراض. احتضنته في هدوء، ورافقته بعين الأم التي تعرف أن العناية فعل حب طويل النفس، لا بطولة عابرة. كان هالي امتحانًا يوميًا للرحمة، ونجحت فيه فيروز بصمتٍ كامل.
ورغم ابتعاده عن المشهد الفني، ظلّ هالي حاضرًا في السيرة الإنسانية لفيروز. وتردّد في الأوساط الثقافية والفنية أن أغنية «سلّم لي عليه»، التي كتبها ولحّنها شقيقه زياد الرحباني وغنّتها فيروز ضمن ألبوم «مش كاين هيك تكون»، كانت موجّهة إليه.
ولم يظهر هالي الرحباني إلى العلن إلا في مناسبات نادرة. ففي عام 2022، نشرت شقيقته ريما الرحباني صورة جمعته بوالدته، بدت فيها فيروز وهي ترافقه على كرسي متحرك. لاقت الصورة تفاعلًا واسعًا، وفتحت نافذة نادرة على جانب شخصي ظلّ بعيدًا عن الإعلام، مسلّطة الضوء على حياة عائلية اختارت الخصوصية والصمت.
رحل الزوج، ورحل الأبناء الثلاثة، ولم يبقَ إلى جانبها سوى ابنتها ريما: رفيقتها، سندها الأخير، ظلّها الهادئ. هي التي بقيت إلى جوارها، تُخفّف عنها وطأة السنين، وتحرس وحدتها بعد أن غاب الأحبة واحدًا تلو الآخر. في هذه الابنة وجدت فيروز بعض الاتزان، بعض الطمأنينة، وبعض القدرة على الاستمرار.
اليوم، برحيل هالي، لا تفقد فيروز ابنًا فقط، بل فصلًا طويلًا من حياتها: فصل الأمومة المُنهِكة والنبيلة، فصل الحب الذي لا يطلب مقابلًا.
لم تكن فيروز يومًا امرأة عادية، لكن عظمتها الحقيقية تتجلّى هنا:
في قدرتها على حمل كل هذا الفقد،
وفي بقائها واقفة، شامخة،
وفي تحويل الألم إلى صمتٍ يليق بالكبار.
رحم الله أبناء فيروز الذين رحلوا،
وأطال في عمرها،
امرأةً علّمتنا أن الصبر قد يكون أعلى أشكال القوة،
وأن الأمومة، حين تُعاش بصدق، تصبح نوعًا من القداسة.



