انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
مجتمع

مهرجان عكاشة السينمائي..حين يبدع نزلاء خلف الأسوار..

بسمة نسائية/ عزيزة حلاق

في لقاءٍ جرى صدفة قبل أسبوع، على هامش عرض فيلم “ظلّ النِّسا” نظمته فيدرالية رابطة حقوق النساء بالرباط، وجدتُ نفسي في حديثٍ جانبي مع المناضلة والكاتبة والناشطة في مجال حقوق الإنسان، فاطنة البييه. لم يكن حديثًا عابرًا؛ إذ سرعان ما تحوّل إلى دعوة مفتوحة لاكتشاف عالمٍ آخر: حضور فعاليات مهرجان عكاشة السينمائي.

أقولها بصراحة: لم أكن أعرف عن هذا المهرجان شيئًا يُذكر. لا عن أهدافه، ولا عن خلفياته، ولا حتى عن تفاصيله. ما شدّني في البداية كان الاسم وحده: عكاشة. اسمٌ ثقيل الدلالة، يحيل مباشرة إلى السجن المعروف بالدار البيضاء، بكل ما يحمله من صور قاسية في الذاكرة الجماعية. لكن المفاجأة كانت في الاكتشاف: نحن أمام مبادرة ثقافية وفنية ومجتمعية وإنسانية، تنظمها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بتنسيق مع المرصد المغربي للسجون، وبمشاركة جمعية حلقة وصل السجن بالمجتمع، التي تترأسها فاطنة البييه، مديرة المهرجان، و التي تعتبر هذا الموعد يندرج في اطار مقاربة إنسانية تجعل من السينما رافعة للتأهيل وإعادة الإدماج داخل المؤسسات السجنية.

وهكذا كان يوم أمس، الأربعاء 17 دجنبر. منى، سعيد، يونس… وأسماء أخرى لنزلاء ونزيلات مركز الإصلاح والتهذيب بعين السبع بالدار البيضاء، كانوا على موعد مع افتتاح فعاليات الدورة السادسة لمهرجان عكاشة السينمائي، المنظم هذه السنة تحت شعار لافت ومحمّل بالأسئلة: “العقوبات البديلة”.

هنا، لم تعد السينما مجرد شاشة، ولا السجن مجرد جدران، بل مساحة لقاء، وتأمل، وإمكانية أخرى للحياة..

فالمهرجان، المنظم بمناسبة اليوم الوطني للنزيل، برمج مسابقة رسمية للأفلام القصيرة المنجزة من قبل نزلاء الأحداث، تشرف عليها لجنة تحكيم رسمية، إلى جانب فقرات فنية وتعبيرية تشمل فن الراب و”بودكاست” و”ستاند أب”، بمشاركة خمس مؤسسات سجنية، هي مركز الإصلاح والتهذيب عين السبع، والسجن المحلي عين السبع إناث، والسجن المحلي طنجة، ومركز الإصلاح والتهذيب بنسليمان، والسجن المحلي أيت ملول.

وفي كلمة بالمناسبة، أكد مدير مركز الإصلاح والتهذيب عين السبع، عبد السلام سهلي، أن تنظيم مهرجان عكاشة السينمائي يندرج في إطار المقاربة المعتمدة من طرف المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، الرامية إلى إبراز المجهودات المبذولة خلال السنوات الأخيرة في مجالات الأمن الدينامي والأمن الإجرائي والأمن الوقائي، وكذا تعزيز انفتاح المؤسسات السجنية على محيطها الخارجي بشراكة مع مختلف الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين وفعاليات المجتمع المدني.

وأوضح أن هذه الدورة تتميز، لأول مرة، بمشاركة النزيلات الأحداث في مجالات التأطير وإنتاج الأفلام، مع إدراج تعبيرات فنية جديدة، معتبرا أن المهرجان لا يشكل مجرد تظاهرة فنية، بل رسالة أمل وإبداع ومنصة للتعبير عن الطاقات الكامنة للنزيلات والنزلاء، وفضاء لترسيخ قيم المواطنة والانفتاح على المجتمع، لاسيما في ما يتصل بتكريس مقاربة العقوبات البديلة.

كما أبرز أن تناول موضوع العقوبات البديلة من خلال الأعمال السينمائية يعكس انخراط النزيلات والنزلاء في الدينامية التشريعية التي تعرفها المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مبرزا أهمية التأطير والتكوين في المهن السمعية البصرية والسينمائية بإشراف مهنيين وخبراء، باعتبارها قضايا مجتمعية ذات بعد إنساني ورؤية مستقبلية.

ومن جهتها، أكدت فاطنة لبيه، رئيسة المهرجان ورئيسة جمعية حلقة وصل سجن – مجتمع، أن المجتمع يشهد مظاهر متعددة للعنف، لا سيما داخل المؤسسات التعليمية، في وقت يتعزز فيه الوعي الجماعي بأن المقاربة الزجرية وحدها لا تشكل حلا ناجعا. وأوضحت أن إتاحة المجال أمام الشباب، خاصة الأحداث الذين لفظتهم المدرسة أو فقدوا سند الأسرة، للانخراط في السينما والتعبير الفني، يندرج ضمن رؤية إنسانية وتربوية تروم إعادة الاعتبار لهؤلاء الأطفال، انسجاما مع فلسفة العقوبات البديلة.

وأضافت أن الهدف الأساسي من هذه المبادرات هو إيصال رسالة مفادها أن الطفل، مهما كانت وضعيته، يظل فردا صالحا وقادرا على الاندماج والعطاء متى توفرت له الثقة والمواكبة والتأطير الملائم.

جميلٌ أن يتحوّل هذا الموعد إلى صلة وصل حيّة بين السجن والمجتمع، لا بوصفه لحظة عرض عابرة، بل كجسر حقيقي نحو الحياة والإدماج. فقد أتاح لهؤلاء النزلاء والأحداث فرصة أخرى ليقدّموا مواهبهم الكامنة، السينمائية والفنية والإعلامية، عبر أفلام قصيرة وتجارب تعبيرية، وحتى بودكاستات حملت أصواتهم وأسئلتهم وهمومهم بصدق لافت. مواهب ظلت طويلًا خارج دائرة الرؤية، قبل أن يكتشفها الحضور بشغف ودهشة، بعدما صقلتها ورشات تأطيرية استفاد منها النزلاء والنزيلات، وفتحت أمامهم نوافذ جديدة على التعبير، وعلى سرد ذواتهم كما هم، خارج الصور النمطية الجاهزة، وبأملٍ يشبه بداية أخرى ممكنة.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا