انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
ثقافة وفنون

بلال فضل ودهشة العودة إلى “من يُكمّل وجه الجنرال”

بسمة نسائية/ عزيزة حلاق

العودة إلى رواية “من يُكمّل وجه الجنرال” للمبدع عبد الكريم الجويطي لم تكن وليدة حنين إلى قراءة سابقة، بقدر ما كانت استجابة لدهشة متجددة. دهشة أيقظها مقطع مصوّر للسيناريست والإعلامي المصري بلال فضل، وهو يتحدث بانبهار صادق عن نص روائي مغربي، يعترف فيه، دون مواربة، أنه يقرأ الجويطي لأول مرة، وأنه أمام عمل استثنائي من حيث البناء، والأسلوب، والجرأة السردية، إلى حدّ اعتباره من بين أفضل الإصدارات العربية لسنة 2025.

كانت تلك اللحظة بمثابة إشارة خفية للعودة إلى قراءة ما كتب عن الرواية، لا بعين القارئ الذي قرأ الرواية، بل بعين من يريد أن يفهم: لماذا تترك هذه الرواية أثرها العميق، ولماذا تفرض نفسها خارج حدود الجغرافيا الأدبية الضيقة؟

“من يكمل وجه الجنرال”، بوصفها الجزء الثاني من رباعية “الأيام الأربعة”، ليست مجرد حلقة وسطى في مشروع روائي ضخم، بل هي قلبه النابض. نصّ يراكم الأسئلة أكثر مما يمنح الأجوبة، ويقترح قراءة للتاريخ لا باعتباره سردا منتهيا، بل بوصفه جسدا مثقوبا بالذاكرة، بالخيبات، وبالأصوات التي لم يُسمح لها أن تكتمل.

الجويطي لا يكتب عن الجنرال باعتباره شخصية، بل كرمز، وجه ناقص، صورة سلطة لم تُستكمل ملامحها، أو ربما لا ينبغي لها أن تكتمل. ومن هنا تنبع قوة الرواية: من هذا الاشتغال الدقيق على الهشّ، على المسكوت عنه، وعلى المناطق الرمادية التي تفصل بين الفردي والجماعي، بين التاريخي والمتخيل.

ومن باب الأمانة الأدبية، وكدعوة لقراءة هذه الرواية، وتقريبها من القراء، لا يمكن المرور على “من يكمل وجه الجنرال” دون التوقف عند واحدة من القراءات المتعددة التي كُتبت حولها، تلك التي قدّمها الناقد المغربي العزيز الحسين، والتي تنفذ بذكاء إلى قلب البناء السردي للرواية، حيث لا يعود الفرعي هامشًا، ولا الثانوي تابعًا، بل تتحول كل الحكايات الجانبية إلى تحف سردية قائمة بذاتها. القراءة نشرت في موقع ألوان في ماي 2025.

في هذه القراءة، تبدو الرواية كنسيج من المصائر الصغيرة التي تشكل معناها الكبير.

يقول العزيز حسين:” بعد “ثورة الأيام الأربعة”، صدرت للكاتب المغربي عبد الكريم الجويطي رواية “من يكمل وجه الجنرال” وهي اللبنة الثانية في رباعية موعودة.

تتواصل “غزوات” المناضلين الذين صعدوا إلى الجبل نواحي بني ملال في بداية السبعينيات مبشرين بثورة تأتي على الأخضر واليابس بعد الاستيلاء على ثكنة صغيرة ووضع ماخور تحت المراقبة، تتواصل هذه الغزوات في الرواية الحالية باكتشاف فظيع يتمثل في العثور على مناضل تم تعذيبه بأبشع الطرق ودفنه حيا في حفرة ضيقة ببرج الثكنة يرصها الإسمنت وقضبان الحديد وكلف بحراسته رجل تلقى أوامر صارمة ونفذها بكل قسوة وفظاظة.

قضى الرجل بالحفرة ما يزيد عن 8 أعوام استحال فيها إلى هيكل عظمي وفقد فيها الشعر والأسنان لكنه لم يتحطم وحافظ على صفاء ذهني رغم الوهن. ويتجلى الامتحان العسير الذي ابتلي به الرجل في مقاربة جديدة دشنتها الرواية مقارنة مع التراكم النسبي الذي عرفه أدب السجون في العشرين سنة الأخيرة. واضح أن عبد الكريم الجويطي استثمر في هذا التراكم وبدل الاقتصار على صوت واحد وهو صوت الضحية كلم صوتا ثانيا بنفس المقدار وهو صوت الجلاد.

ووظف الكاتب لهذه الغاية تقنيات سردية تتيح تناوبا سرديا متكافئا (تقريبا) بين دفوعات الضحية، مبادئها، مسارها، آمالها وآلامها وبين حيثيات الجلاد مسندة بالاختيار القاضي بسحق كل تمرد حالم يهدد الأمن ويسعى إلى زعزعة الأركان التي يقوم عليها النظام. وكأننا بهذه المقابلة أمام مناظرة تنكشف فيها استراتيجيات كل طرف على حدة يستنفر فيها كل المبررات لترجيح طرحه ودحض طرح الخصم. كل هذا بمسحة تراجيدية تنزع عن الإنسان/الضحية إنسانيته وتنفي عن الجلاد ضميره.

الضحية هنا، وهي من خلال الإشارات والتلميحات التي تفصح عنها فصول المواجهة تتأرجح بين “المناضل الصغير” و”القائد الفذ” ويسهل بالتالي تحديد هويتهما لكن الرواية لا تسقط في “علبة الأسماء” ولو انها ترسم الملمح المادي والمعنوي بدقة متناهية. أما الجلاد فهو جنرال بسط هيمنته بقبضة من حديد على أعناق المعارضين وعرف نهاية مأساوية جديرة بعوالم وليام شكسبير.

تميل الرواية إلى ما يعتبره أمبرطو إيكو “الشرح المفصل” في الوصف الدقيق للأمكنة والشخصيات وتعاقب الأزمنة وتداخلها، لكنه شرح مثقل بتفاصيل ضرورية للإمساك بخيوط الحكي وجمالية السرد: قبل المضي قدما في ثنايا الصفحات التي تصل إلى 448، يتعرف القارئ على الجنرال الروسي الذي أعفاه القيصر نيقولا قبيل الثورة الروسية فيما يشبه إقامة إجبارية، امتعض الجنرال وتأفف ولكي “ينتقم”، طلب من فنان أرميني أن يرسم له لوحة بالبزة العسكرية ترتسم فيها على محياه ابتسامة ساخرة نكاية في الأعداء.

بعد عدة محاولات يفشل الفنان في رسم تلك الابتسامة الشامتة ليترك مكان الفم فراغا أبيض (مصدر إلهام العنوان) ويموت الجنرال كمدا . تقابل هذه الصورة صورة الجنرال المغربي الدموي والضالع في انقلابات السبعينيات والذي كان يخفي عينيه الدامعتين بنظارات سوداء ليلا ونهارا حتى لا ينفذ أي كان من خلال النظر في العينين ويكتشف طبيعته القاسية والمتنكرة السادية. هو أيضا سيعرف نهاية تراجيدية.

وسط هذا الزخم من التناظرات والمفارقات تستعيد الأشياء البسيطة في حياة “رجل الجب” مكانتها ويجعل منها متنفسا كيلا يفقد روحه بعدما تآكل الجسد تماما: ذرات طماطم تثمر حبتين حمراوتان في ظروف مناخية شبه مستحيلة، مسمار صدئ يساعد على الخدش والنبش، الغمام الذي يمر عبر الكوة الضيقة والذي يضبط به

صاحبنا الليل والنهار ومنه استقى اسمه “حارث الغمام” حين سأله “الثوار” عن اسمه ومن يكون.

وكقطعة حجر ملقاة في بركة تتولد منها الدوائر، فإن الرواية أيضا تشتغل بسلاسة ملحوظة على تقنية عوالم الحكي المبثوثة داخل المحكي الرئيسي وتنتقل من الفرعي إلى الثانوي ومن الثانوي إلى الفرعي وكل رافد يشكل لذاته تحفة ممتعة في السرد: رفيق الرحلة الذي يتمنى رؤية البحر سيرا على الأقدام فيداهمه الموت قبل تحقيق أمنيته، حكاية حادة مع زوجها ثم مع الحاكم العسكري، حكاية الفقيه مع فتاة كهف النسور وطرق التواعد المبتكرة وحكاية يوري عازف الأرمونيكا …

إلا أن الرواية، في المجمل، تبقى قطعة تاريخية لفهم طبيعة الصراعات التي احتدمت بالأمس ضد الاستعمار واشتدت بعد الاستقلال ضد الاستبداد دون أن تسقط (أي الرواية) في جلباب الرواية التاريخية الصرفة.

ثم إنه من الممكن اعتبار أن ما باحت به رواية من يكمل وجه الجنرال أكثر حميمية وواقعية من سابقتها “المغاربة” …سمت الأشياء بمسمياتها دون الوقوع في مطب اللغة المباشرة ولم تحسم في شيء على الإطلاق ولم تنتصر لهذا الطرف أو ذاك تاركة الباب مفتوحا أمام التأويل… وللقارئ الحكم والتقدير في المبتدأ والخبر.

ثمة إشارة أخيرة إلى طبيعة الحوارات التي أثثت حيزا مهما من الرواية، إنها وعاء لخلفيات فلسفية وسياسية تنم عن عمق التفكير ودقة الكلمات المنتقاة بالرغم من أنها سقطت أحيانا في فخ “أحكام القيمة” كالقول مثلا في سياق الحديث عن قدرية الإنسان أن هذا “سلوك مغربي خالص” أو “المغربي لا يكون قدريا إلا في زمن الخسارات التي يسببها لنفسه أو للآخرين، أما النجاحات فينسبها بكل فخر لنفسه”.

ورغم هذا الغنى الحكائي، تبقى الرواية ـ في مجملها ـ قطعة أساسية لفهم طبيعة الصراعات التي عرفها المغرب: صراعات ضد الاستعمار بالأمس، وضد الاستبداد بعد الاستقلال، دون أن تسقط في فخ الرواية التاريخية الصرفة أو الخطاب التوثيقي المباشر. إنها رواية تكتب التاريخ من الداخل، من شقوقه الإنسانية لا من عناوينه الكبرى.

هذه القراءة ليست احتفاءً فقط بجماليات السرد، بل محاولة للإصغاء إلى ما تقوله الرواية عنّا: عن علاقتنا بالسلطة، بالذاكرة، وبالأسئلة التي نؤجلها طويلا. والعودة إليها اليوم، بعد تلك الشهادة القادمة من خارج السياق المغربي، تؤكد أن الأدب الجيد لا يحتاج إلى وساطة، بل إلى قارئ منبهر حد الدهشة.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا