انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

ذكاء بلا استراتيجية:سؤال السيادة التكنولوجية في المغرب

 تراجع الذكاء الاصطناعي في المغرب: فشل استراتيجي لوزارة الانتقال الرقمي في زمن السباق العالمي نحو التقنين والسيادة التكنولوجية.

في قراءة نقدية لموقع المغرب في سباق الذكاء الاصطناعي، ترى الأستاذة فاطمة رومات، خبيرة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، أن الإشكال المطروح لا يتعلق بتأخر تقني عابر أو محدودية في الموارد، بقدر ما يعكس غياب رؤية استراتيجية سيادية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كرافعة للأمن القومي والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

بقلم: فاطمة رومات*

الذكاء الاصطناعي في المغرب: تأخر استراتيجي في سباق السيادةالتكنولوجية

لم يعد الذكاء الاصطناعي في السياق الدولي الراهن مجالا تقنيا محايدا أو خيارا سياسيا ثانويا، بل أصبح أحد المعايير الحاسمة لإعادة ترتيب موازين القوة الصلبة والناعمة والذكية بين الدول. فالسباق العالمي نحو الذكاء الاصطناعي يتم اليوم على مستويات متداخلة تشمل تطوير النماذج والخوارزميات، وبناء القدرات البشرية، وجذب الاستثمار، وصياغة الأطر التنظيمية، واعتماد استراتيجيات وطنية شاملة تحدد الأولويات وتضمن الاتساق بين السياسات العمومية. وفي هذا السياق، فإن وضعية المغرب في عام 2025 تثير قلقا مشروعا، ليس فقط بسبب تراجع موقعه النسبي في المؤشرات الدولية، بل أساسا بسبب غياب رؤية استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، وهو غياب يكشف عن قصور عميق لدور وزارة الانتقال الرقمي في إدراك طبيعة هذا السباق العالمي وتعقيداته.

في عام 2023، كان المغرب يقدم باعتباره من بين الدول الإفريقية التي أحرزت تقدما معقولا في مجال الجاهزية للذكاء الاصطناعي، حيث احتل المرتبة الـ88 عالميا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الصادر عن Oxford Insights. وقد استخدمت هذه النتائج آنذاك لتغذية خطاب رسمي متفائل حول التحول الرقمي، يوحي بأن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو اقتصاد رقمي متقدم. غير أن هذا الخطاب لم يترجم إلى فعل استراتيجي حقيقي، إذ لم تعتمد أي استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، بل اقتصرت وزارة الانتقال الرقمي على تخصيص صفحتين فقط في استراتيجية المغرب الرقمي 2030 للذكاء الاصطناعي الذي تم ربطه بالتنمية الاقتصادية في حين أصبح يشكل ركيزة اساسية للأمن القومي. ولم يتم الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى منطق السياسة العمومية المهيكلة.

بحلول عامي 2024 و2025، تكشّفت حدود هذا النهج بشكل صارخ. فقد تراجع ترتيب المغرب إلى المرتبة 101 عالميا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، كما تراجع المغرب على المستوى الافريقي الى المرتبة الخامسة بعد كل من مصر وجنوب افريقيا وغانا والجزائر. في مؤشر واضح على فشل السياسات العمومية في مواكبة التحولات المتسارعة في هذا المجال. ولا يمكن تفسير هذا التراجع بعوامل تقنية أو ظرفية، بل يعكس خللا بنيويا في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وغياب إرادة سياسية واضحة لإعطائه المكانة الاستراتيجية التي يحتلها عالميا. فبينما سارعت دول إفريقية أخرى إلى اعتماد استراتيجيات وطنية واضحة، ظل المغرب أسير مقاربات عامة وفضفاضة لا ترقى إلى مستوى التحديات المطروحة.

ويأتي مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد لعام 2025 ليؤكد هذا التشخيص القاتم. إذ يظهر المغرب غائبا تقريبا عن المؤشرات الجوهرية التي تقيس حيوية منظومات الذكاء الاصطناعي، مثل نمو الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والطلب على الكفاءات المتخصصة، والتشريعات الوطنية المؤطرة لهذا المجال. وفي الوقت الذي دخل فيه العالم مرحلة سباق محموم نحو تقنين الذكاء الاصطناعي، واعتمدت أكثر من 116 دولة أطرا تنظيمية أو استراتيجيات وطنية، لم ينجح المغرب حتى في بلورة رؤية قانونية أو تنظيمية واضحة، ما يضعه في موقع التابع لا الفاعل، والمستهلك لا المنظم. إن هذا الغياب لا يعد مجرد تأخر تقني، بل يمثل إخفاقا سياديا في مجال استراتيجي يمس مستقبل الاقتصاد الوطني وسوق العمل والأمن القومي.

وتتحمل وزارة الانتقال الرقمي مسؤولية مركزية في هذا الإخفاق. فبدل أن تضطلع بدور قيادي في بلورة استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، اكتفت الوزارة بخطاب عام حول التحول الرقمي، دون تقديم تصور متكامل يحدد موقع الذكاء الاصطناعي ضمن السياسات العمومية. والأسوأ من ذلك، أن مقاربة الوزارة ظلت بعيدة عن أي منطق تشاركي حقيقي، حيث غاب إشراك الجامعات، ومراكز البحث، والخبراء المستقلين، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني في صياغة التوجهات الكبرى. وفي غياب هذا النقاش العمومي التشاركي، تحولت السياسات الرقمية إلى قرارات تقنية معزولة، وغير قادرة على خلق دينامية وطنية حول الذكاء الاصطناعي.

ويكشف هذا الوضع عن سوء تقدير لطبيعة السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد سباقا نحو الابتكار التقني فقط، بل سباقا نحو بناء أطر تنظيمية، وصياغة استراتيجيات وطنية، وتحديد خيارات سيادية واضحة مبنية على مقاربة استشرافية و على اليقظة العلمية والتكنولوجية. فالدول التي تتقدم اليوم ليست بالضرورة الأكثر تفوقاً تقنياً، بل تلك التي امتلكت الجرأة السياسية لوضع استراتيجيات شاملة، وربطت الذكاء الاصطناعي بالتعليم، وسوق العمل، والصناعة، والبحث العلمي، والحكامة مثال ذلك الهند التي تسعى لأن تكون رائدة على مستوى دول الجنوب العالمي و البرازيل التي تسير بخطى ثابتة نحو الريادة في هذا المجال في أمريكا اللاتينية و الإمارات العربية المتحدة التي أصبحت رائدة عربيا في استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات العمومية و الخاصة أو المملكة العربية السعودية التي تحتل الصدارة عربيا في المدن الذكية أو جنوب افريقيا و مصر اللتين تتنافسان من أجل احتلال الصدارة افريقيا. وفي المقابل، يبدو المغرب عالقاً في مرحلة الخطاب، غير قادر على الانتقال إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي.

صحيح أن بعض التقارير، مثل تقارير “الأونكتاد” حول جاهزية التكنولوجيا المتقدمة، تشير إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات التقنية، حيث احتل المغرب المرتبة 67 عالميا والثانية إفريقيا، إلا أن هذه النتائج تظل معزولة ولا تعكس وجود منظومة وطنية متماسكة للذكاء الاصطناعي. فالتقدم التقني غير المؤطر استراتيجياً يظل هشا وقابلا للتبدد، ولا يمكن أن يعوض غياب رؤية وطنية واضحة تحدد الأهداف، وتنسق الجهود، وتضمن استدامة السياسات.

وصحيح ايضا أن المغرب منخرط بجدية في المجهود الدولي والاقليمي لتقنين وحوكمة الذكاء الاصطناعي من خلال انخراطه في صياغة التوصية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لليونسكو و التي صدرت سنة 2021 ، وهي أول إطار معياري عالمي يربط تطوير الذكاء الاصطناعي باحترام حقوق الإنسان، والسيادة الرقمية، والمسؤولية الحكومية. كما شارك المغرب في صياغة القرار الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2024 والذي يدعو إلى تطوير ذكاء اصطناعي آمن وموثوق وشامل، ويشدد على ضرورة قيام الدول بوضع أطر وطنية للحكامة والتنظيم.

وعلى المستوى الإقليمي، انخرط المغرب في صياغة واعتماد الاتحاد الإفريقي لاستراتيجيته القارية للذكاء الاصطناعي والتي تشكل إدراكا متزايدا لأهمية هذا المجال كرافعة للتنمية والسيادة الرقمية الإفريقية. إذ يؤكد الميثاق الإفريقي للذكاء الاصطناعي والبيانات على ضرورة امتلاك الدول الأعضاء لرؤى وطنية واضحة، تضمن التحكم في البيانات، وحماية المصالح الاستراتيجية، وتعزيز القدرات المحلية..

غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الزخم المعياري الدولي الذي انخرطت الدبلوماسية المغربية في بلورته لم تتمكن وزارة الانتقال الرقمي من ترجمته إلى سياسات وطنية منسجمة. فوفقا لتقارير مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي، لا يظهر المغرب ضمن الدول التي اعتمدت استراتيجيات وطنية واضحة أو أطر تنظيمية متكاملة للذكاء الاصطناعي، رغم التزامه المعلن بدعم المبادئ الأخلاقية الدولية. ويؤدي هذا الغياب إلى إضعاف موقع المغرب في النقاشات الدولية، إذ تصبح مشاركته في تقنين الذكاء الاصطناعي مشاركة شكلية، غير مدعومة برؤية سيادية داخلية.

إن مفهوم السيادة التكنولوجية، كما تؤكده الأدبيات الحديثة، يقوم على القدرة على تملك التكنولوجيا، والمشاركة في صياغة معاييرها، وليس فقط استهلاكها. ومن هذا المنظور، فإن غياب استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي يعد إخفاقا سياسيا واستراتيجيا للوزارة الوصية امام اختبار السابق نحو الذكاء الاصطناعي، يحد من قدرة المغرب على الدفاع عن مصالحه وقيمه في المحافل الدولية، ويضعه في موقع التابع للمعايير التي ينتجها الآخرون.

كما يؤدي هذا الاخفاق إلى إفراغ خطاب السيادة التكنولوجية من مضمونه، وتحويله إلى مجرد شعار سياسي يندرج في إطار حملة انتخابية سابقة.

إن تراجع الذكاء الاصطناعي في المغرب بين 2023 و2025 ليس معطى تقنيا معزولا، بل مؤشر على أزمة رؤية واختيار استراتيجي. فمن دون استراتيجية وطنية شاملة، منسجمة مع توصية اليونسكو، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، وميثاق الاتحاد الإفريقي، سيظل المغرب خارج دوائر التأثير في الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، معرضا لضياع حلم تحقيق السيادة التكنولوجية في عالم تعاد فيه صياغة القوة عبر الخوارزميات والمعايير.

* خبيرة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا