“النساء والفن في المغرب العربي”: كتاب يفكك سرديات الإقصاء

النساء والفن في المغرب العربي: إعادة التفكير في السرد، وتوسيع الذاكرة..


في لقاء ثقافي/ فكري احتضنته أمس مؤسسة Art’Com Sup، بالرباط، عاد سؤال جوهري إلى الواجهة: ماذا يصير تاريخ الفن حين نتوقف عن اعتبار النساء مجرد شخصيات هامشية، ونعترف بهن فاعلات كاملات في الخلق الفني؟
هذا السؤال لا يكتفي بتصحيح رمزي لاختلالٍ تاريخي، بل يفتح أفقًا أوسع لإعادة قراءة السرديات الفنية، ومساءلة الأطر المؤسساتية، وأنماط نقل المعرفة، والذاكرة التي صيغت طويلًا بمنطق الإقصاء أو التغافل.
ضمن هذا السياق، خُصّص اللقاء لتقديم ومناقشة كتاب «النساء والفن في المغرب العربي: إعادة التفكير في السرد وتوسيع الذاكرة»، وهو عمل جماعي أشرفت عليه نادية صبري ورشيدة التريكي. يسعى الكتاب إلى تفكيك التمثلات السائدة لموقع النساء في تاريخ الفن المغاربي، وإعادة الاعتبار لأدوارهن بوصفهن فنانات، ومفكرات، وفاعلات ثقافيات أسهمن في تشكيل المشهد الفني، لا على هامشه.
الكتاب لا يقترح مجرد إضافة أسماء نسائية إلى سجل ناقص، بل يدعو إلى إعادة بناء الذاكرة الفنية من أساسها، عبر مساءلة المعايير التي حكمت كتابة تاريخ الفن، والكشف عن الآليات التي همّشت حضور النساء لعقود. إنه عمل يربط بين الفن، والذاكرة، والسؤال النسوي، ويضع القارئ أمام ضرورة إعادة التفكير في ما نعتبره «تاريخًا» وما نغفله داخله.
اللقاء، الذي نظّمه مختبر البحث والابتكار في التصميم والتواصل (RIDEC – الرباط)، وأدارته رانيا زوبيري، شكّل فضاءً للنقاش بين باحثين، وطلبة، ومهنيين في مجالات الفن والثقافة، حول إشكالات الذاكرة، والتوثيق، ونقل المعرفة الفنية في المنطقة المغاربية.
من الهامش إلى الفعل المؤسس.
خلال تقديمها للكتاب، أكدت نادية صبري أن هذا العمل لا يندرج ضمن منطق الجرد أو الاحتفاء الرمزي بالفنانات، بل يقوم على مقاربة علمية تسعى إلى توثيق المسارات الفنية النسائية، ووضعها في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، وتحويلها من حالات استثنائية إلى مراجع مؤسسة في تاريخ الفن.
ويعتمد الكتاب على مساهمات متعددة من نقاد وباحثين وفنانين من المغرب والجزائر وتونس، ما أتاح رسم خريطة شاملة للتجارب النسائية في الفنون التشكيلية، مع التركيز على شروط الإنتاج، وآليات الاعتراف، وأسباب الإقصاء البنيوي الذي طال هذه التجارب.
مساءلة تاريخ الفن وآليات الشرعنة.
النقاش الذي أعقب العرض توقف عند دور تاريخ الفن نفسه في عملية الإقصاء، باعتباره لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يقوم بالاختيار والترتيب ومنح الشرعية. وهو ما يفرض، بحسب المتدخلين، إعادة التفكير في المعايير التي حكمت كتابة هذا التاريخ، وفي المؤسسات التي أسهمت في تكريس مركزية بعض التجارب على حساب أخرى.
المتاحف ومسؤولية بناء السرد الثقافي
كما فتح اللقاء نقاشًا حول دور المتاحف في المغرب والمنطقة المغاربية، باعتبارها فاعلًا رئيسيًا في بناء السرديات الثقافية، وليس مجرد فضاءات للعرض والحفظ. وتم التأكيد على أن قرارات الاقتناء والعرض وخطاب الوساطة الفنية تشكّل عناصر حاسمة في تحديد ما يُعترف به كجزء من الذاكرة الفنية الجماعية.
وفي هذا السياق، اعتُبر قرار مجانية ولوج المتاحف التابعة للمؤسسة الوطنية للمتاحف لفائدة التلاميذ والطلبة خطوة إيجابية نحو ديمقراطية الولوج إلى الثقافة، شريطة أن تُرفق ببرامج وساطة وتربية فنية قادرة على جعل المتحف فضاءً مألوفًا ومنفتحًا على مختلف فئات المجتمع.
لقاء يتجاوز الكتاب
الحدث لم يقتصر على تقديم الكتاب، بل شكّل مناسبة لتبادل الآراء وفتح نقاشات معمّقة حول قضايا التعليم الفني، ونقل المعرفة، ودور المؤسسات الأكاديمية في تجديد المقاربات النقدية. وأجمع المشاركون على أهمية مثل هذه اللقاءات في ربط البحث الأكاديمي بالممارسة الثقافية، وتحويل الكتاب من مادة نظرية إلى أداة حوار وتأثير.
ويؤكد كتاب “النساء والفن في المغرب العربي”، من خلال هذا النقاش، أن إعادة الاعتبار للفنانات لا تعني إضافة أسماء إلى سرد جاهز، بل تستدعي مراجعة شاملة لأسس كتابة تاريخ الفن، بما يضمن ذاكرة فنية أكثر عدلًا وشمولًا.



