انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

المغرب – السنغال… في انتظار صفارة الحكم

بقلم: عبد الرفيع حمضي

كرة القدم في إفريقيا لا تلعب دائمًا بمنطق الكرة وحدها. فهي، في كثير من محطاتها الحاسمة، امتداد لأسئلة لم تحسم وتتناسل، سؤال الدولة، وسؤال الشرعية، وسؤال العلاقة بالتاريخ وبالجار. ولهذا السبب بالذات، لا تشبه نهائيات كأس إفريقيا للأمم كثيرا نظيراتها في المنافسات الدولية الكبرى، حيث يحسم التنافس داخل الملعب ويطوى خارجه.

في السياق الإفريقي، يظل الملعب، في أحيان كثيرة، فضاء مفتوحا لتصريف ما تعجز السياسة عن تسويته، وما لم تنجح “الديمقراطية “في تأطيره.

غير أن مباراة المغرب والسنغال في الرباط تخرج عن هذا النسق المألوف. فهي، على العكس، تقدم نموذجًا مغايرا لمواجهة إفريقية ممكنة: تنافس رياضي صاف، محكوم بالاحترام المتبادل، ومسنود بتاريخ من العلاقات المتينة والامتدادات الدينية والثقافية العميقة. لقاء يبدو، في هذا المعنى، نقطة ضوء داخل مسار قاري كثير الالتباس، ويعيد التذكير بأن كرة القدم الإفريقية قادرة، حين تتوفر الشروط، على أن تكون فضاء للتلاقي لا للتفجير.

يأتي هذا النهائي في سياق خاص. فهذه النسخة الخامسة والثلاثون من كأس إفريقيا للأمم هي الأخيرة التي تنظم بنظام السنتين، قبل الانتقال إلى الوتيرة الرباعية. والمغرب، وهو يحتضن هذه التظاهرة، بدا مستعدا على مستوى البنية التحتية والتنظيم والقدرة اللوجستية، كما ظهر الفريق الوطني في مستوى ينسجم مع طموحات بلد استثمر طويلا في كرة القدم بوصفها سياسة عمومية، لا مجرد لعبة.

ورغم ذلك، لم تخل البطولة من احتكاكات ومناوشات، قام بها الفريق الجزائري وبعض مناصريه، وسبقهما خطاب إعلامي جزائري عدائي. وهي سلوكيات، وإن لم تؤثر على السير العام للمنافسة، إلا أنها كشفت مرة أخرى أن كرة القدم، حين تحمل بأكثر مما تحتمل، تتحول إلى ساحة إسقاط سياسي ونفسي. فما وقع لم يكن معزولا ولا عابرًا، بل امتدادًا لعطب جزائري أعمق في فهم العلاقة بين الرياضة والسياسة، وبين الدولة والجمهور.

في المقابل، يفرض لقاء المغرب والسنغال قراءة من طبيعة أخرى. فالعلاقة بين البلدين ليست علاقة مناسبات أو مجاملات دبلوماسية، بل علاقة ضاربة في التاريخ، نسجتها طرق التجارة القديمة، وعمقتها الروابط الدينية الصوفية، ورسختها حركة العلماء والطلبة بين فاس وسان لويس وداكار. والزاوية التيجانية، على سبيل المثال، ليست مجرد طريقة روحية مشتركة، بل جسر ثقافي وإنساني أسس لقرون من التفاعل الهادئ والمتبادل.

وهذا العمق في العلاقة ليس مجرد خطاب نظري أو توصيف تاريخي. ففي واقعة دالة سنة 2008، حين احتضنت مدينة دكار المنتدى الاجتماعي العالمي الذي يحتضن نشطاء اليسار من العالم كله تحت شعار “عالم آخر ممكن”، وخلال الاجتماعات التحضيرية مع اللجنة التنظيمية السنغالية، بلغ إلى علم المسؤولين أن خصوم الوحدة الترابية المغربية، بدعم جزائري، يستعدون لاستغلال فضاءات المنتدى للتشويش على القضية الوطنية. وعلى إثر ذلك، تدخل أحد المنضمين السنغاليين بكلام واضح أمام الحاضرين، منبها إلى أن المس بالسيادة المغربية أو رموزها خط أحمر، وأن من يتجاوزه عليه أن يكون مستعدا لمواجهة الشارع السنغالي قبل الوفد المغربي.

لم يكن ذلك موقفا ظرفيا ولا مجاملة بروتوكولية، بل تعبيرا صريحا عن عمق العلاقة بين الشعبين، وعن وعي سنغالي راسخ بحدود الاختلاف وبأخلاقيات الفضاء العمومي.

سياسيا، شكلت السنغال استثناء لافتا في محيط إفريقي مضطرب. دولة اختارت مبكرا مسار الدولة المدنية، واحترام التداول السلمي على السلطة، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع في مواعيدها. أسماء من قبيل ليوبولد سيدار سنغور، الذي جمع بين الشعر والحكم دون أن يحول السلطة إلى أداة قمع، ثم عبدو ضيوف وآخرين، الذين واصلوا النهج نفسه، ليست مجرد محطات تاريخية، بل تعبير عن خيار سياسي واضح: ديمقراطية هادئة، لا صاخبة، لكنها مستقرة ومؤسسة.

هذا المعطى ليس ثانويًا لفهم أجواء المباراة. فحين تكون الدولة متصالحة مع نفسها، ومع شعبها، ومع جيرانها، ينعكس ذلك تلقائيا على سلوك جمهورها، وعلى طريقة حضورها في الفضاءات الرياضية. ولهذا يبدو التنافس المغربي السنغالي أقرب إلى مباراة بين مشروعين متكاملين لا متصادمين، وبين دولتين تعرفان كيف تفصلان بين التنافس الرياضي والرهانات السياسية.

على النقيض من ذلك، تفضح بعض السلوكيات التي رافقت مشاركة الجزائر مأزقا بنيويا أعمق. مأزق نظام لم يحسم علاقته بالديمقراطية، ولا بالجوار، ولا حتى بالرياضة نفسها. في ظل هيمنة العسكر، تتحول كرة القدم إلى أداة تفريغ لغضب مكبوت، ويستدعى الجمهور ليقوم بدور سياسي بالنيابة، فيغيب العقل، ويحضر الانفعال.

وفي الختام، قد تنتهي المباراة بفوز المغرب أو السنغال، فذلك جزء من منطق اللعبة. لكن الأهم أن هذا اللقاء، خارج الملعب، يذكرنا بأن كأس إفريقيا للأمم ليست محكومًا عليها دائمًا بأن تكون مرآة للتوترات. يمكنها أيضا أن تكون لحظة أمل، ونقطة ضوء، وإشارة إلى أن المستقبل الإفريقي لا يبنى بالضغينة، بل بالثقة والاحترام وحسن الجوار.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا