انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

فخر الانتماء… حين يتحول الشعور إلى طاقة

-حديث الاربعاء-

بقلم: عبد الرفيع حمضي

يلاحظ الجميع، خلال السنوات الاخيرة، ان الشعور بالانتماء خصوصا لدى الشباب والنساء، خرج من دائرة الصمت إلى فضاء التعبير العلني. لم يعد الاحساس بالانتماء مجرد شعور داخلي مكتوم، بل أصبح يعبر عنه بوضوح، وبجرأة، وبأشكال متعددة، كلما توفرت لحظة جامعة تسمح له بالظهور.

وقد شكلت بعض اللحظات المفصلية مناسبات كبرى لتفجير هذا الاحساس الجماعي. لم تكن الرياضة وحدها تلك المناسبة، وإن كانت الاكثر وضوحا وانتشارا. كأس العالم بقطر مثلت لحظة رمزية نادرة، عبر فيها المغاربة، داخل الوطن وخارجه، عن اعتزاز قوي بالانتماء الى بلادهم.

لم يكن الامر مجرد فوز رياضي، بل استعادة جماعية لمعنى “نحن”، بكل ما تحمله من هوية وذاكرة مشتركة. ثم تعزز هذا الشعور في كاس العرب، وتواصل مع كاس افريقيا، ومع كل حضور للفريق الوطني، حيث تحول القميص الوطني إلى لغة جامعة تتجاوز الاختلافات.

لكن التجربة المغربية تظهر بوضوح أن هذا الانتماء لا يتفجر فقط في لحظات الفرح الجماعي، بل يظهر، احيانا، بأكثر أشكاله صدقا في لحظات المحنة. الزلزال، على قسوته، كان اختبارا اخلاقيا عميقا للمجتمع، حيث برزت شبكات تضامن تلقائية ومبادرات جماعية وفردية، دون انتظار توجيه. لم يكن ذلك فعل إحسان عابر، بل تعبيرا مكثفا عن شعور جماعي بأن المصاب واحد، وأن الوطن ليس مجرد حدود، بل علاقة ومسؤولية. وتكرر المشهد ذاته في الفيضانات والكوارث الطبيعية، حيث ظهر أن الانتماء، حين يكون حقيقيا، لا يحتاج الى شعارات، بل يترجم نفسه في الفعل.

من الناحية المعرفية، الانتماء ليس عاطفة ظرفية. بل رابطة مركبة بين الهوية من جهة والاحساس بالمصير المشترك من جهة اخرى. وهو أيضا اندماج رمزي عندما يشعر الفرد بانه معترف به داخل الفضاء العام، وأن هذا الفضاء بتاريخه ومستقبله يعنيه كما يعني غيره.

وفي هذا الأفق، اعتبر ابن خلدون أن تماسك الجماعة هو أساس العمران، وأن المجتمعات لا تنهض بالقوة وحدها، بل بالروابط التي تجعل الافراد مستعدين للتضحية من أجل الكل.

فالانتماء قيمة متعددة المستويات، تبدأ من الوطن كأفق جامع، وتمتد إلى كل الفضاءات التي نعيش فيها ذواتنا اليومية، أسرا ومؤسسات ومجالات عمل من إدارات ووحدات انتاجية وحياة.

انطلاقا من هذا الفهم، يصبح التحدي الاساسي هو ألا يبقى الانتماء حبيس اللحظات الاستثنائية، سواء كانت فرحا او كارثة، بل أن يتحول إلى ثقافة يومية. أن يشعر التلميذ بالاعتزاز بالمدرسة التي يدرس فيها، لا خوفا منها، بل انتماء إليها. وأن يعتز الطالب بجامعته باعتبارها فضاء للمعرفة، لا مجرد محطة عبور. وأن يشعر الموظف بأن الادارة التي ينتمي إليها ليست عبئا، بل مرفقا عموميا يخدم الصالح العام.

هذا الانتقال من الوطن في معناه الرمزي الكبير، إلى أوطان صغيرة نعيشها يوميا، هو الشرط الضروري لتحويل الانتماء إلى طاقة اخلاقية منتجة. لان الوطن لا يبنى بالقوانين وحدها، بل بإحساس الناس بأنهم جزء من القصة. كما قال أحد الزعماء.

وبالتالي فما عبر عنه المغاربة في المدرجات، وقبلها في القرى المنكوبة، وفي لحظات التضامن الصامت، ليس تفصيلا عابرا. وإنما رسالة واضحة. والسؤال الذي يظل مطروحا علينا جميعا هو: هل نملك الشجاعة لتحويل هذا الشعور بالانتماء إلى ثقافة عامة، وممارسة يومية، ومسؤولية مشتركة؟ فالأوطان تبنى حين يتحول الانتماء إلى وعي دائم بالفعل والمسؤولية وتفجيره في لحظات الفرح قبل اختباره في لحظات الألم لا قدر الله.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا