انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

الكاف… الدولة والفريق

حديث الأربعاء

بقلم: عبد الرفيع حمضي

مع دخول كأس افريقيا للأمم لكرة القدم مرحلتها الثانية، وتزايد منسوب الترقب والحسابات، يواصل المغرب احتضان هذه التظاهرة القارية الكبرى في ظروف تنظيمية جيدة تبعث على الارتياح. فمنذ انطلاق المنافسات، كل شيء جيد سواء على مستوى التنظيم والبنيات التحتية او على مستوى التدبير او تسويق المنتوج. بلد استثمر لسنوات في إعادة تجديد الملاعب واخرى جديدة بمعايير ومواصفات عالمية في الطريق، كما استثمرت في الفضاءات الحضرية، وهو استعداد مزدوج يروم تعبيد الطريق نحو الاستحقاق العالمي الاكبر هو كأس العالم.

من هذه الزاوية، يمكن القول أن المغرب، كدولة، كان جاهزا، وأن خياره الاستراتيجي في الاستثمار الرياضي لم يكن ظرفيا ولا انفعاليا.

في المقابل، يمتلك المغرب منتخبا وطنيا قويا. منتخب راكم تجربة نوعية، بلغ نصف نهائي كأس العالم بقطر، وفاز المنتخب الرديف بكأس العرب بقطر، كما سبقه المنتخب المحلي بالفوز بالشان، والتأهل المبكر الى مونديال الولايات المتحدة، ويضم المنتخب الاول ثلة من اللاعبين المحترفين يمارسون في أقوى الدوريات الاوروبية. إن هذا المعطى الواقعي، لا يحتاج الى تضخيم ولا الى انكار ولا زيادة ولا نقصان، غير ان الإشكال يكمن  في الخلط المتزايد، في الخطاب الاعلامي العمومي والخاص وعلى السوشل ميديا، ولا يميز بين نجاح الدولة المنظمة وضرورة فوز المنتخب بكاس البطولة المجمعة، حيث يبدو  وكأن الامرين متلازمان أخلاقيا أو سياسيا أو رمزيا. هذا الخلط هو ما يستدعي التوقف.

من منظور معرفي بسيط لأن تنظيم التظاهرات الكبرى هو فعل دولة، بينما نتائج المنافسة الرياضية هي مهمة فريق، تحكمه قوانين اللعبة، والتنافس، والاحتمال، والخطأ، والانتصار والتعادل، والمفاجأة.

فالدولة مهمتها ضمان توفير الشروط لإنجاح التظاهرة، ولا تضمن النتائج. وهذا ليس تقليلا من قيمة المنتخب، بل احتراما لطبيعة الرياضة نفسها. لأن الرياضة في أصلها هي مجال لا يخضع لليقين. ولو كانت النتائج تحسم بالإرادة او بالاستعداد او بالرغبة، لما كانت رياضة، بل لتحولت استعراض فقط. لهذا قال ادغار موران يوما من مراكش الحمراء وهو الفيلسوف اللامع: “إن الرياضة هي مدرسة في قبول اللايقين، لأنها تعلم الإنسان أن يبذل أقصى ما يستطيع، دون أن يمتلك ضمان الفوز”.

وتلك هي حلاوتها ومتعتها ولذلك نعشقها لأنها تخلخل حواسنا وعواطفنا.

فحين يتحول الخطاب الاعلامي الى شحن نفسي مفرط، وإلى إلحاح متكرر على ضرورة بقاء الكأس في المغرب، ( خصو يبقى في المغرب باش ما بغاو ) كما قال أحد المحللين بإذاعة متخصصة، فإننا نخرج الرياضة من منطقها الطبيعي، ونحولها الى امتحان وطني، بل الى واجب رمزي. وهنا تكمن الخطورة. لان الجمهور لا يشحن فقط بالأمل، بل يحمل أيضا عبء النتيجة، وقد يتحول الفشل الرياضي، إن وقع، إلى إحباط جماعي غير مبرر.

لهذا فنجاح تنظيم كأس افريقيا هو نجاح سيادي، مؤسساتي، يعكس قدرة الدولة على التخطيط، والتدبير، والوفاء بالالتزامات الدولية. اما فوز المنتخب فهو نجاح رياضي، مشروع، مرغوب، لكنه ليس شرطا لصحة الاول، ولا مقياسا له.

التاريخ الرياضي مليء بأمثلة لدول نظمت تظاهرات كبرى بنجاح، دون ان تفوز منتخباتها بالكأس. ولم يسجل ذلك كفشل، بل كجزء طبيعي من قواعد اللعبة. كما أن دولا فازت بالكؤوس دون أن تكون هي الافضل تنظيما أو الأكثر جاهزية مؤسساتيا.

من منظور رياضي سليم، المنتخب الوطني مطالب باللعب، بالتنافس، بتقديم أفضل ما لديه. واللاعب حين يدخل الملعب مثقلا بخطاب مشحون فهو، لا يلعب بحرية، والرياضة لا تزدهر تحت إكراه الضغط الرمزي الزائد.

نحن بحاجة، اليوم، إلى إعادة الامور إلى نصابها. نفرح بتنظيم ناجح، نفتخر ببنية تحتية متقدمة، نثق في منتخبنا، نشجعه، ونسانده، لكن دون تحويل الكأس إلى استحقاق اخلاقي، او الفوز إلى واجب وطني.

الرياضة، في عمقها الانساني، تعلمنا التواضع، وتعلمنا أن القيمة ليست فقط في النتيجة، بل في المسار، في الاداء، وفي احترام قواعد اللعب. اما الدولة، فقيمتها في قدرتها على البناء، والاستمرارية، وتراكم الانجازات، لا في نتيجة مباراة.

ربما آن الأوان لنهدأ قليلا، وان نشجع المنتخب دون ان نثقله، وان نفتخر ببلادنا  دون أن نربط نجاح التنظيم  بهدف في الدقيقة التسعين وإعلان صفارة  النهاية من طرف الحكم.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا