انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

المرأة التي لم تفعل شيئًا قط…

حين يتكلم الفن بدلًا عن القوانين الصامتة

بقلم: مونية السعيدي

ليس الفن ترفًا بصريًا، ولا زينة تُعلَّق على الجدران أو تُنصب في الساحات العامة. في لحظاته الأكثر صدقًا، يتحوّل إلى لغة بديلة، قادرة على قول ما تعجز عنه الخطب، وما تتردد القوانين أحيانًا في الاعتراف به.

في مدينة سرقسطة الإسبانية (Zaragoza)، الواقعة بين مدريد وبرشلونة، يقف تمثال بعنوان ساخر حدّ القسوة:

«La Mujer Que Nunca Hizo Nada»: المرأة التي لم تفعل شيئًا أبدًا.

عنوان حادّ عن قصد، يعكس كيف جرى، عبر أجيال، التقليل من قيمة العمل غير المأجور.

عنوان مستفز، يكاد يكون حكمًا اجتماعيًا جاهزًا، يسبق الرؤية، ويصدر الإدانة قبل الاقتراب من المنحوتة.

امرأة محمّلة أكثر مما يحتمل الجسد. ظهرها مقوّس، رأسها منخفض، كأن الزمن نفسه أثقلها. لا تحمل شيئًا في يديها، لكنها تحمل كل شيء في جسدها:

ثِقْل العمل المنزلي،

ثِقْل الأيام المتشابهة،

وثِقْل الجهد الذي لا يُرى ولا يُشكر عليه.

امرأة منحنية الظهر، لا ترفع رأسها، كأنها اعتادت الانكسار. جسدها مثقل، لا بالسنين فقط، بل بما لا يُرى:

ثِقْل التكرار،

ثِقْل المهام الصغيرة التي لا تُكتب في السِيَر الذاتية،

ولا تُمنح عنها أوسمة،

ولا أجر،

ولا شكر،

ولا تصفيق.

هذه المرأة “التي لم تفعل شيئًا”، فعلت كل شيء…

لكنها فعلته في الظل.

المنحوتة لا تصرخ، لا تحتج، ولا ترفع قبضة. قوتها في صمتها، في انحنائها ذاته. كأن النحّات أراد أن يقول: هكذا يبدو العمل المنزلي حين يُختزل إلى “واجب طبيعي”، وحين يُمحى من سجل الإنجاز لأنه أنثوي، يومي، ومتوقَّع.

إنه تمثال عن العمل اللامرئي.

عن النساء اللواتي يستيقظن قبل الجميع، وينمن بعد الجميع، وربما لم يُسألن يومًا:

ماذا فعلتن اليوم؟

لأن الجواب معروف سلفًا:

لا شيء.

العمل المنزلي، الرعاية، الاهتمام، إعادة ترتيب الفوضى كل صباح… أفعال تُستهلك ثم تُنسى. وحين تُنسى، تتحول المرأة نفسها إلى كائن غير مرئي، مهما كان حضورها طاغيًا داخل البيت.

اختيار سرقسطة ليس تفصيلًا عابرًا. فالمدينة، بتاريخها المتعدد الطبقات، تشبه هذه المرأة: حضارات تعاقبت، بصمات بقيت، وأيدٍ اشتغلت دون أن تُذكر أسماؤها.

هذا التمثال لا يُدين المرأة، بل يُدين العبارة ذاتها:

“لم تفعل شيئًا”.

ويضعنا أمام سؤال مزعج:

من يعرّف معنى الفعل؟

ومن يقرر ما يُحسب عملًا، وما يُرمى في خانة “الطبيعي”؟

«La Mujer Que Nunca Hizo Nada» ليست تمثالًا عن الماضي فقط، بل مرآة للحاضر.

عن نساء ما زلن يُقاس عطاؤهن بالصمت، ويُكافأن بالنسيان.

منحوتة واحدة، جسد منحنٍ، وعبارة ساخرة…

لكنها تكفي لتذكيرنا بأن بعض “اللاشيء” هو في الحقيقة كلّ شيء.

فالفن، بخلاف النص القانوني، لا يحتاج إلى إثباتات ولا إلى أرقام. يكفيه أن يضعك وجهًا لوجه أمام المعنى: جسد منحنٍ، عنوان ساخر، أو صمت فادح، ليهزّ يقينًا راسخًا حول ما نعتبره “طبيعيًا” أو “مسلّمًا به”.

وحين يتعلق الأمر بالتمييز والحيف الممارس ضد النساء، يصبح الفن مساحة مقاومة هادئة. لا يصرخ، لكنه لا يساوم. لا يطالب مباشرة بتعديل القوانين، لكنه يكشف فجواتها، ويفضح ما تغفله النصوص:

العمل غير المرئي،

العنف الرمزي،

التطبيع مع الإنهاك اليومي،

وتحويل الظلم إلى قدر.

القانون، في كثير من السياقات، يعترف بالفعل فقط حين يكون مدفوع الأجر، قابلًا للقياس، أو مسجّلًا في عقد.

أما الفن، فيعترف بالإنسان قبل الفعل، وبالأثر قبل النتيجة.

ولذلك، يكون أكثر عدلًا أحيانًا…

لأنه ينحاز للتجربة الحية، لا للصيغة الجافة.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا