المرنيسي تُنصف “سلطانات منسيات”

بقلم: مريم أبوري


يُعدّ كتاب «سلطانات منسيات» وثيقة تاريخية استثنائية، أعادت فيها فاطمة المرنيسي قراءة تاريخ الحكم الإسلامي بعيْنٍ نقدية جريئة، ووعيٍ بحثي رصين، نفضت به الغبار عن الدور الحقيقي للنساء في السلطة، ذلك الدور الذي تجاهله المؤرخ المسلم، أو تجاهله عمدًا حين كتب التاريخ بعقلية ذكورية أكثر منها إنسانية.
هذا الكتاب كنز معرفي فريد، زاخر بالمصادر والمراجع التراثية التي امتلكت المرنيسي شجاعة العودة إليها، وتقليبها، واستخراج نصوص ظلت مُهمَّشة طويلاً. وقدّمَت كل ذلك ببحث علمي هادئ، بعيد عن المبالغة أو التحامل، متوخّيةً الدقة والموضوعية في معالجة واحدة من أكثر واجهات تاريخنا الإسلامي حساسية.
كعادتها، تأخذنا المرنيسي إلى عالم الحريم، ولكن هذه المرة إلى حريم السلطة، حيث تتقاطع السياسة بالدين، ويتوارى حضور النساء خلف الأسوار العالية. نقّبت عن حكّامات شاركن الرجال الحكم من داخل الحريم أو من خارجه، ونساءٍ فرضن سلطتهن كاملة رغم القيود.
بأسلوب مشوّق، وبترجمة بديعة للأستاذة فاطمة الزهراء أزرويل، تفتح لنا المرنيسي بوابة نادرة إلى ذاكرة نسائية مطموسة، لنكتشف ربما لأول مرة أن بينظير بوتو لم تكن أول امرأة تتولى حكم المسلمين، وأن تاريخنا يضمّ خمس عشرة ملكة ضُربت العملة وخُطبت الجمعة بأسمائهن؛ وهما علامتا السيادة في الحكم.
تتوقف الباحثة عند سلطانات المماليك مثل راضية وشجرة الدر، وعند عدد من الخاتونات المغوليات مثل ختلع خاتون، إضافة إلى ملكات الجزر اللواتي بلغ عددهن سبعًا، منهن خديجة بنت السلطان صلاح الدين صالح البنجلي، وغيرهن.
أما العربيات، فتقودنا إلى اليمن، حيث اكتشفت أن النساء الشيعية اليمنيات كُنّ رائدات في ممارسة الحكم، مثل الملكتين أسماء وأروى. وتطرح سؤالاً جريئًا: هل مردّ ذلك إلى انفتاح الشيعة على حكم النساء؟ لكنها تعود لتقدّم جوابًا أكثر عمقًا: الأمر لا يتعلق لا بالشيعة ولا بالسنة، فالتاريخ يُظهر أن خلفاء من كلا الطرفين رفضوا تولي النساء للحكم، بينما قَبِل اليمنيون بسلطة النساء لخصوصية ثقافتهم المنفتحة، بوصفهم ورثة إرث بلقيس، ملكة سبأ، قبل الإسلام وبعده.
المرنيسي لا تكتب بعاطفة “نسوانية” تمجّد النساء وتشيطن الرجال؛
إنها مفكرة قبل كل شيء، تقترب من الحقيقة بميزان الباحث، فتُبرز الملكات بصورتهن الواقعية: أخطأن وأصبن، عدلن وظلمن، منهن القويات والضعيفات. وهنا تكمن قيمة الكتاب: أنه لا يصنع بطلات خارقات، بل يعيد النساء إلى مكانهن الطبيعي في التاريخ.
إنه سفر ممتع واستفزاز معرفي يحثّ القارئ على إعادة التفكير في تاريخ كُتب بوجهة نظر واحدة، تُقصي النساء أو تتجاهلهن. ولعل الأوان قد آن ليُكتب تاريخنا بأقلام نسائية ورجالية معًا، كي ينجلي ما خفي، سواء عن قصد أو عن جهل.
هذا الكتاب يجب أن يُقرأ أكثر من مرة، وأن يصل إلى أبنائنا وبناتنا، في انتظار اليوم الذي يُدرَّس فيه تاريخ السلطانات والحُرّات والستّات في مدارسنا: تاريخ غالية الوهابية التي حكمت مكة، وعائشة الحرة حاكمة تطوان، وزينب النفزاوية شريكة يوسف بن تاشفين في الحكم… وغيرهن كثيرات ممن حان الوقت لاستعادتهن من النسيان.



