انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
نبض الحقوق

CNDH“شباب من أجل الإلغاء”… أصوات مغربية شابة تنتصر للحق في الحياة

بسمة نسائية / عزيزة حلاق

صور/ محمد بلميلود

بعد التصويت التاريخي للمملكة المغربية، في دجنبر 2024، لصالح قرار الأمم المتحدة الداعي إلى الوقف الشامل لتنفيذ عقوبة الإعدام، وفي إطار انخراط المجلس الوطني لحقوق الإنسان في ترسيخ ثقافة الحق في الحياة، جرى إطلاق مبادرة هي الأولى من نوعها، من خلال تنظيم ورشات تأطيرية جهوية للشباب، ما بين 11 و28 أبريل، تحت شعار:

شباب من أجل الإلغاء”، بهدف توسيع قاعدة الشباب المناصرين للحق الدستوري المطلق في الحياة.

واليوم، كان الموعد بمقر المجلس مع الورشة الختامية، حضرها ممثلو الجهات ال12 للمملكة، لتقديم مداخلاتهم وتوصياتهم وإسهاماتهم في هذه الحملة التحسيسية، التي تقاطعت جميعها حول فكرة مركزية واحدة: “الحق في الحياة”.

ويأتي هذا اللقاء في سياق تعزيز النقاش العمومي حول الحق في الحياة ومناهضة عقوبة الإعدام، مع إشراك الشباب كقوة اقتراحية وترافعية قادرة على المساهمة في بناء وعي حقوقي جديد، يقوم على قيم الكرامة الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان الكونية.

24 شابًا وشابة، تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة، بدا واضحًا أنهم اختيروا بعناية، من أطر عليا ومحامين وطلبة، أبانوا عن مستوى علمي متميز، وانخراط واعٍ في العمل الجمعوي والمدني. وقدّموا صورة مشرّفة للشباب المغربي المتشبث بقيم حقوق الإنسان، والمتمكن من مهارات الخطابة والترافع والإقناع، في نقاش اتسم بالجدية والوعي والمسؤولية.

وهذا هو الدور الذي يراهن عليه المجلس، كما أشارت إلى ذلك رئيسة المجلس أمينة بوعياش في كلمتها الترحيبية، باعتبار الشباب فاعلين أساسيين في تعزيز النقاش حول قضايا الشأن العام، بما فيها إلغاء عقوبة الإعدام.

المشاركون الشباب أكدوا في هذا اللقاء حماسهم الكبير للانخراط في حملات الترافع، على المستويين المحلي والترابي، من أجل الدفع نحو تعديل القوانين وإقرار نصوص أكثر انسجامًا مع حماية حقوق الإنسان، كما ينص على ذلك الدستور المغربي والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، مع التفكير أيضًا في عقوبات بديلة تراعي البعد الإنساني والعدالة الإصلاحية.

وهنا لا بد من التوقف عند مداخلة ممثلي جهة سوس ماسة، الذين كشفوا أن عقوبة الإعدام تظل غريبة عن ثقافتهم المجتمعية، موضحين أن أقسى عقوبة كانت تُمارس في حق مرتكب أبشع الجرائم هي النفي من المنطقة، ويُعبَّر عنها محليًا بــ”أزواك”، وهي عقوبة كانت تُعتبر قاسية بالنظر إلى قوة ارتباط الإنسان بالأرض، وبانتمائه إلى القبيلة والجماعة، حيث كان الإبعاد عن المجال الاجتماعي والإنساني أشد وقعًا من أي عقوبة أخرى.

ممثلو الجهات 12 للمملكة، أكدوا استعدادهم للمساهمة، ضمن شبكة سفراء الحق في الحياة وحقوق الإنسان، في نشر ثقافة الحقوق والحريات، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيم الكرامة الإنسانية والحق في الحياة

وشكّل هذا الموعد مناسبة لتبادل الرؤى والتجارب بين فاعلين حقوقيين وشباب وباحثين ومهتمين، حول سبل توسيع دائرة المناصرين لإلغاء عقوبة الإعدام، وترسيخ ثقافة حقوقية تجعل من الحق في الحياة قيمة دستورية وإنسانية جامعة.

وفي كلمتها بالمناسبة، أكدت أمينة بوعياش أن إلغاء عقوبة الإعدام لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل تحول إلى رهان مجتمعي يعكس مستوى تطور الوعي بقيم الحياة والكرامة الإنسانية.

وشددت بوعياش، في افتتاح اللقاء الختامي للورشات الجهوية الخاصة بتوسيع قاعدة الشباب الداعمين لإلغاء عقوبة الإعدام، على أن هذه القضية تتجاوز بعدها القانوني لتلامس عمق فلسفة العدالة وحدودها، وتطرح تساؤلات جوهرية حول حماية الحق في الحياة ومعنى الكرامة الإنسانية.

وقالت إن “لقاء اليوم يعكس القناعة بأن التحولات الحقوقية لا تُبنى داخل فضاء ترافعي واحد، بل تُصاغ عبر انخراط متعدد، بما في ذلك انخراط الشباب داخل المدارس والجامعات والفضاءات الرقمية، وعبر مختلف أشكال التعبير الذاتي والعمومي التي تعيد تشكيل النقاش العام وتوسّع آفاقه”.

واعتبرت أنه، في ظل تعدد المنابر والسياقات، تتعزز القدرة على إعادة التفكير في المفاهيم التي تؤطر العلاقة بين القانون والحقوق والكرامة الإنسانية، لافتة إلى أن الشباب يمثلون جيلاً يعيش تحولات عميقة تتقاطع فيها الثورة الرقمية مع التطورات الاجتماعية، وتُطرح خلالها أسئلة جديدة حول الحقوق والحريات والعدالة، مما يتطلب إعادة التفكير في طبيعة الفضاء العمومي وأدوار الفاعلين داخله بما يواكب هذه التحولات ويستوعب دينامياتها الجديدة.

كما أشارت رئيسة المجلس إلى أن التجربة المغربية في مجال حقوق الإنسان أظهرت أن التطور يتم عبر التراكم، وأن الإصلاحات المستدامة تحتاج إلى نقاش وانخراط جماعي متواصل، وتُبنى من خلال تحول تدريجي يزاوج بين النقاش المجتمعي والتطور المؤسساتي.

وخلصت بوعياش إلى أن إلغاء عقوبة الإعدام هو تعبير عن مستوى تطور الوعي المجتمعي، ويمثل “الانتقال من تصور للعدالة قائم على الإنهاء، إلى تصور قائم على الاستمرار، وعلى إمكانية التغيير، وعلى الإيمان بأن الحياة، حتى في أكثر لحظاتها هشاشة، تظل جديرة بالحماية”.

من جهته، تساءل الأستاذ النقيب عبد الرحمان الجامعي، رئيس الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، في كلمته بالمناسبة: لماذا لم نتمكن، إلى حدود اليوم، من إلغاء عقوبة الإعدام؟

وقال: “أشعر أحيانًا بأننا مقصرات ومقصرون على هذا المستوى، إما لأننا لم نمتلك بعد قدرة الترافع الكافية تجاه الفاعل السياسي، أو تجاه السلطتين القضائية والتشريعية، أو لأن الوعي الجمعي ما يزال وعيًا فطريًا أو ضعيفًا أو هجينًا، لم يستوعب بعد قيمة الفصل 20 والفصلين 22 و23 من الدستور، ولم يدرك الأبعاد الحقيقية، ليس فقط الإنسانية والحقوقية، بل والتشريعية أيضًا، التي ندعو إلى تطويرها حتى يحسم المغرب، أو الفاعل السياسي، موقفه النهائي من هذه القضية”.

وتابع الجامعي متسائلًا:

هل ما تزال لعقوبة الإعدام مكانة في المغرب، وفي القرن الحادي والعشرين، بعد كل ما شهدناه من تطورات على مستويات متعددة؟ وهل ما يزال هناك مدافعون عنها؟ نحن نسمع أصواتًا تدافع عنها أحيانًا داخل البرلمان، وداخل بعض الأحزاب والصف السياسي، وأحيانًا حتى داخل بعض المؤسسات الدستورية”.

وترك النقيب الجامعي هذه الأسئلة مفتوحة للنقاش والتفكير، باعتبارها مدخلًا لإعادة طرح قضية عقوبة الإعدام داخل المجتمع، وفي مختلف الفضاءات السياسية والحقوقية والتشريعية.

إيزابيل بيرو أمادي، وزيرة خارجية موناكو ورئيسة لجنة وزراء مجلس أوروبا، اعتبرت في كلمة مسجلة عبر تقنية الفيديو، أن الشباب لا يمثلون المستقبل فحسب، وإنما يجسدون أيضًا قوة حقيقية للالتزام والتعبئة والتغيير، معتبرة أن “أصوات هؤلاء الشباب ذات وقع كبير في كسب الرهان الأساسي المتمثل في الإلغاء الكوني لعقوبة الإعدام”.

وفي السياق ذاته، نوهت أمادي بتصويت المغرب، في 17 دجنبر 2024، على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح وقف تطبيق عقوبة الإعدام، مشددة على أن إلغاء هذه العقوبة يشكل “معركة قناعات في سبيل خدمة الكرامة الإنسانية”.

فيما اعتبر سيباستيان بوتوفو أن لقاء اليوم “يمثل خطوة مهمة في مشروع التعاون الرامي إلى توسيع قاعدة الشباب المغاربة المؤيدين لإلغاء عقوبة الإعدام”، مذكرًا بأن كلا من المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومجلس أوروبا أعلنا عزمهما على التعاون بشأن هذه القضية، من خلال إشراك المجتمع المدني والشبكات المعنية، مع التوجه بشكل خاص إلى فئة الشباب.

وتوقف بوتوفو بدوره عند تصويت المغرب على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح وقف تطبيق عقوبة الإعدام، مبرزًا ترحيب كل من لجنة وزراء مجلس أوروبا والجمعية البرلمانية بهذا التصويت الإيجابي.

وتميّزت أشغال الجلسة الصباحية بعرض شريط وثائقي استعرض أبرز المحطات والإنجازات التي تحققت في إطار مشروع “توسيع قاعدة الشباب المناهضين لعقوبة الإعدام”، مسلطًا الضوء على الورشات الجهوية، ومساهمات الشباب، ومسارات التكوين والترافع التي واكبت هذا المشروع.

أما جلسة المساء، فقد خُصصت لمداخلات خبراء وفاعلين حقوقيين حول آليات الترافع من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، إلى جانب تقديم المؤتمر العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، باعتباره فضاء دوليًا لتبادل التجارب وتعزيز النقاش الحقوقي حول الحق في الحياة.

واختُتم اللقاء باعتماد الإعلان الختامي تحت عنوان:

إعلان الشباب المغاربة المناهضين لعقوبة الإعدام”، الذي عبّر من خلاله المشاركون عن التزامهم بمواصلة الترافع من أجل ترسيخ ثقافة الحق في الحياة، وتعزيز قيم حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية داخل المجتمع المغربي.

وسنعود إلى أشغال هذه الجلسة، وما طُرح خلالها من أفكار ومداخلات وتوصيات، في ورقة لاحقة.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا