انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
ثقافة وفنون

تراتيل ذاكرة جماعية في “كأس النوسطالجيا..”

 دفاتر طفولة مبللة بالحنين.

بقلم: مريم أبوري

يواجهنا الكتاب بغلاف يشبه وثيقة تاريخية. ألوانه الباهتة، توحي بأنه خرج للتو من صندوق جدة، محمل بركام غبار السنين وشجون الذاكرة.

تتوسط الغلاف دائرة رمادية، مزخرفة بنقوش أصيلة ومبتورة الحوافي كأنها من حفريات من زمن بعيد. ترمز لتلك التفاصيل الكبيرة والصغيرة التي تساقطت منا في زحام العمر. ومن قلب رتابة هذا الماضي يشع العنوان بلون الشمس الفاقع، كأنه قبس من طفولة مازالت أنوارها تضيء وجداننا. كُتب العنوان ” كأس النوسطالجيا” بخط أنيق، كأنه سطر بقلم حقيقي في دفتر ذكريات منسية.

يشكل الغلاف لوحة تشوق وتغري القارئ بارتشاف كؤوس نوسطالجيا جماعية والإبحار في محيطات عوالم الكاتبات والكُتاب الذين شاركوا في هذه الرحلة عبر الزمن إلى عالم الطفولة.
نجح الفنان التشكيلي المغربي نجيب شرادي في مزج الأخضر الباهت بتدرجات البني الشاحب والرمادي، مجسدا الضبابية التي تغلف ذاكرة البوح. فالماضي لا يزورنا بتفاصيله المكتملة، بل يباغتنا ببقع لونية ومشاعر متداخلة ومتناقضة.

أما ظهر الغلاف الذي يشبه الورق المتآكل بفعل رطوبة الزمن، فيحيلنا مباشرة إلى العنوان الفرعي ” دفاتر الطفولة ” المنسية في سرداب الذكريات. ثم يأتي اسم الكاتب والصحفي ” زهير فخري” بالأبيض، لون الحياد، مسبوقا ب “إعداد وتقديم ومشاركة”، ليؤكد أنه لم يكتف بالإشراف على هذا البوح الجماعي دون تدخل منه فيه، بل كان له كذلك نصيب في ملء هذه الكأس ببوحه الخاص.

وفي الأسفل ترفرف فراشة دار النشر” الموجة الثقافية ” لتضفي فضاء للتحليق وكأن الذكريات فراشات ملونة تود التحرر من قضبان الدفاتر القديمة.
يعد هذا الكتاب ملاذا للذاكرة، فهو يزاوج بين بوح ذاتي وحفر أنثربولوجي جماعي في وجدان جيل مغربي كامل. نصوصه تعبر بصدق عن شروخ الهوية المغربية التي صُهرت في دواوير القرى وأحياء المدن العتيقة، بعيدا عن صخب العالم الافتراضي والرقمنة. إنه وثيقة لمقاومة نسيان الذاكرة باستنطاق التفاصيل الصغيرة، وإنه بمثابة مرآة تعكس لنا ملامح زمن كان فيه الوقت بطيئا بما يكفي لعيش اللحظة والحلم. فالطفولة ها هنا هي الوطن الوحيد الذي لا نحتاج جواز سفر للعودة إليه.
يفتح زهير فخري للقارئ باب طائرة تقلع نحو “الحدائق السرية” لسبعة وثلاثين كاتبا وكاتبة. نرافقهم في لقاءاتهم الأولى مع الفقيه التقليدي والمعلم “المتحضر”. نعيش معهم تفاصيل المسيد والمدرسة ونستنشق رائحة الطباشير والمحفظة الجلدية.
بين دفتي الكتاب تتقاطع ذكريات الشغب الطفولي بفلقة الفقيه، وتحية العلم والنشيد الوطني ونصوص بوكماخ، ورنة جرس الاستراحة. نتحسس معهم قماش الملابس الجديدة، ونغمس ريشتنا في المحبرة، ونشم رائحة اللوح والصمغ والصلصال. يختلط ألم خيزران الفقيه ومسطرة وعصا المعلم والخوف والدهشة والهروب من المسيد والمدرسة. يذكروننا ببهجتنا بالتحريرة – العطلة، الأقلام الملونة، الوزرة المدرسية الموحدة، الرسوم المتحركة على القناة الوحيدة آنذاك. ونتوقف معهم بوجس على التحرش الجنسي، ونتحسس التعذيب الذي تعرضوا له والذي ترك أمراضا نفسية واجتماعية في وجدانهم.

وكما جاء في تقديم الكاتب زهير فخري: ” إنهَا دفَاتِرُ مَفتوحةٌ عَلى “أَسرَارِ” أَصحابِهَا، وسَينعَمُ قرَّاؤُها، باليَقِينِ الثَّابتِ، بِلَذَائذِ مَا بَينَ السُّطُورِ، وَبغَيرِ قَليلٍ مِمَّا يَسْمُو بِهِم إلَى مَدارِجِ المُتعَةِ وَالاِفتِتانِ.
إنَّها مَرَايَا سَيرَى فيهَا القُرَّاءُ بَعضاً مِن زَمنِ طُفولَتِهِم الأَثيرِ وَسَيَستعِيدُونَ، مِن خِلالهَا، دَهشتَهُم الأُولَى وهُم يَجتازُونَ نَهجاً جَديداً نَحوَ زَمن جَديد سَيضَعُ قُدُراتِهم الذِّهنيةَ علَى المِحكِّ، وسَينأَى بِهم إلَى عَالمِ المُجرَّداتِ الذِي لا قِبَلَ لهُم بهِ (…)”.
فهو كتاب البدايات الأولى والفطام الثاني والولوج إلى عالم جديد. إنه بوح جماعي عن مشاعر الطفلة التي كانتها المشاركات والطفل الذي كانه المشاركون، مشاعر فراق يد الأم أو الأب عند باب المدرسة وولوج عالم غريب مخيف مجهول.

كَتبت النصوص قلوبٌ دافئة رغم ما قد يتخللها من انكسارات أو خوف أو فقر أو تعنيف، بأسلوب سهل وممتع.
يقع الكتاب في 195 صفحة، وهو ثمرة عمل بدأ منذ عام 2008 عبر جريدة الصباح المغربية، ثم الاتحاد الاشتراكي عام 2020 وصولا إلى هذا الإصدار الجامع عن دار” الموجة الثقافية ” ديسمبر 2025.

إنه باختصار سيرة ذاتية جماعية لمغاربة الستينات والسبعينات والثمانينات، الذين اختلفت مساراتهم ووحدتهم كؤوس النوسطالجيا.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا