بوعياش: حرية المعتقد أصبحت معياراً لقياس الالتزام بحقوق الإنسان

في قمة الحرية الدينية.. بوعياش تدعو إلى صون الكرامة الإنسانية من التوظيف السياسي للدين
أكدت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، أن حرية الدين أو المعتقد لم تعد مجرد حق أساسي، بل أصبحت معياراً حقيقياً لقياس مدى الالتزام بعالمية حقوق الإنسان، داعية إلى حماية التعددية الدينية وتعزيزها في مواجهة تصاعد خطاب الكراهية والتطرف وتوظيف الدين في الصراعات السياسية.
جاء ذلك في الكلمة الافتتاحية التي ألقتها، أمس الثلاثاء بالدار البيضاء، خلال أشغال “القمة العالمية للحرية الدينية بشمال إفريقيا”، حيث شددت على أن التحولات العالمية، وفي مقدمتها الثورة الرقمية، تفرض اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز الإطار القانوني، وتجمع بين التشريع والتربية والثقافة والسياسات العمومية والتعاون الدولي، من أجل صون الكرامة الإنسانية وترسيخ قيم العيش المشترك.
وفي مستهل كلمتها، عبرت بوعياش عن شكرها لمنظمي هذا اللقاء، معتبرة أن موضوع الحرية الدينية يظل من أبرز القضايا التي تستأثر باهتمام المجتمع الدولي، لما يطرحه من أسئلة عميقة تتعلق بالعلاقة بين القانون وحرية الدين أو المعتقد وحرية الفكر، وبمكانة الدين داخل مجتمعات أصبحت أكثر تنوعاً وتعدداً.
وأشارت إلى أن النقاشات التي راكمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى جانب شركائه على مدى سنوات، أفضت إلى قناعة مفادها أن العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان لا تقبل الأحكام الجاهزة أو الإجابات النهائية، بل تستدعي تفكيراً متجدداً يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وأكدت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الدين داخل المجتمع، وإنما في القدرة على جعل التعدد الديني وتنوع المعتقدات والقناعات ركيزة للسلم الاجتماعي وجسراً للحوار والسلام، بدل أن تتحول إلى أسباب للانقسام والصراع.
وأضافت أن هذه الإشكالية أصبحت تحتل موقعاً مركزياً في تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأسهمت في تعزيز التقارب بين الحركة الدولية لحقوق الإنسان والفاعلين الدينيين حول مبدأ جامع، يتمثل في اعتبار الكرامة الإنسانية المرجعية الكونية التي تعلو على جميع الانتماءات، وتحمي التعددية، وترفض كل أشكال التمييز.
وحذرت رئيسة المجلس من التحديات المتزايدة التي تواجه هذا المسار، وفي مقدمتها عودة النزعات الهوياتية المنغلقة، وتصاعد التطرف العنيف، واتساع نطاق خطاب الكراهية، والانتشار المتسارع للتضليل الإعلامي، إلى جانب تنامي توظيف الدين في الصراعات السياسية والاجتماعية والجيوسياسية.
وأكدت أن حرية الدين أو المعتقد لا يمكن فصلها عن باقي الحقوق والحريات الأساسية، باعتبارها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحرية الفكر والتعبير والتنظيم والمساواة أمام القانون ومبدأ عدم التمييز، معتبرة أن حمايتها تعني في جوهرها الحفاظ على التوازن الذي تقوم عليه المنظومة الكاملة لحقوق الإنسان.
وتوقفت بوعياش عند تأثير الثورة الرقمية، مشيرة إلى أن التكنولوجيا لم تعد تغير فقط وسائل التواصل، بل أصبحت تعيد تشكيل طرق إنتاج المعرفة وتداولها، بما في ذلك الخطابات الدينية، فيما أسهمت الخوارزميات والمنصات الرقمية في خلق فضاءات معلوماتية مغلقة تعزز الاستقطاب وتضعف فرص الحوار وتكرس الانقسامات المجتمعية.
وفي هذا السياق، ميزت بين مفهوم “حماية” حرية الدين أو المعتقد، الذي يقتضي التزام الدول بضمان الممارسة الفعلية لهذا الحق، ومنع انتهاكاته، ومكافحة جميع أشكال التمييز، وبين مفهوم “تعزيز” هذه الحرية، الذي اعتبرته مشروعاً مجتمعياً أشمل يقوم على ترسيخ ثقافة التعددية، وتشجيع الحوار بين الأديان والمعتقدات، وبناء مرجعيات مشتركة تستند إلى المساواة في الكرامة الإنسانية، بما يحول دون استغلال حرية الدين لتبرير الكراهية أو الإقصاء أو العنف.
وشددت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان على أن العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان ليست علاقة تناقض حتمي ولا انسجام تلقائي، بل هي ثمرة خيار سياسي ومسؤولية مؤسساتية والتزام جماعي ببناء دولة القانون وصون الحقوق والحريات.
وفي هذا الإطار، أبرزت أن المغرب يقدم نموذجاً في هذا المجال من خلال بناء حكامة دينية متواصلة، ترتكز على ترسيخ الفهم المستنير للدين، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والتسامح والتعايش، بما يجعل من الدين رافعة للاستقرار والعيش المشترك، لا مجالاً للتوظيف أو الاستقطاب.
واختتمت بوعياش كلمتها بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي في العصر الراهن لم يعد البحث عن سبل التوفيق بين الدين وحقوق الإنسان، وإنما ضمان عدم استغلالهما للمساس بالكرامة الإنسانية أو تقويض الحقوق والحريات، داعية مختلف الفاعلين، الدينيين والمدنيين، إلى جعل تنوع المعتقدات مصدر غنى وإثراء للمجتمعات، لا ذريعة للانقسام والإقصاء، ومشددة على أن حماية حقوق الإنسان هي في الوقت نفسه حماية للدين من كل أشكال التوظيف السياسي والاستغلال الإيديولوجي، وترسيخ لمجتمع يقوم على الكرامة والحرية والعدالة والسلم.
