فريدريش نيتشه… حين يكون للإنسان “لماذا” يعيش من أجله.

Celui qui a un pourquoi peut supporter presque n’importe quel comment.
من لديه لماذا يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمّل تقريبًا أيّ كيف.
— فريدريش نيتشه
ثمة أسئلة كثيرة نطرحها على أنفسنا ونحن نعبر الحياة.
كيف سأفعل؟
كيف سأبدأ؟
كيف سأخرج من هذه الورطة؟
كيف سأتحمل كل هذا؟
لكن الفيلسوف الألماني “فريدريش نيتشه” يقلب السؤال رأسًا على عقب، ويأخذنا إلى منطقة أكثر عمقًا: “لماذا؟”
ففي نظره، ليست المسألة دائمًا في معرفة الكيفية التي سنعبر بها الصعوبات، وإنما في امتلاك سبب يجعلنا نريد العبور أصلًا.
وهنا تكمن قوة الفكرة التي جعلت هذه العبارة واحدة من أكثر أفكار نيتشه حضورًا في الوعي الإنساني: حين يمتلك الإنسان “لماذا” يعيش من أجله، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الـ”كيف” مهما كان صعبًا.
كان فريدريش نيتشه واحدًا من أكثر الفلاسفة إثارة للجدل والتأثير في الفكر الحديث. وُلد في ألمانيا سنة 1844، اشتغل بالفلسفة ودرس فقه اللغة الكلاسيكي وترك مؤلفات أصبحت من علامات الفكر الغربي، من بينها “هكذا تكلم زرادشت”، و”ما وراء الخير والشر”، و”في جينيالوجيا الأخلاق”.
لم يكن نيتشه فيلسوفًا يقدم وصفات جاهزة للحياة، بل كان يميل إلى هدم المسلّمات التي اعتاد الإنسان أن يعيش داخلها، ودفعه إلى إعادة النظر في قيمه وأفكاره وطريقة وجوده.
سأل عن معنى الأخلاق، وعن مصدر القيم، وعن إرادة القوة، وعن العدمية، وعن قدرة الإنسان على تجاوز ذاته وصنع معنى لحياته.
وكان من أكثر أسئلته إلحاحًا: “كيف يستطيع الإنسان أن يقول نعم للحياة، حتى عندما تكون الحياة قاسية؟”
وهنا تكتسب فكرة الـ”لماذا” معناها العميق.
فالإنسان، في تصور نيتشه، ليس كائنًا يبحث فقط عن الراحة ويتجنب الألم. الألم جزء من الوجود، والمحنة قد تكون جزءًا من الطريق. لكن ما يجعل احتمالها ممكنًا هو أن يكون وراءها “معنى”، أو غاية، أو قيمة يؤمن بها الإنسان.
وهذا ما يجعل السؤال “لماذا؟” أحيانًا أهم بكثير من السؤال كيف؟
قد يكون الطريق طويلًا.
وقد نتعب.
وقد نصل إلى لحظات نشعر فيها أننا لم نعد نملك طاقة خطوة أخرى. وقد تتراكم الخيبات حتى يبدو لنا أن الحياة نفسها أصبحت امتحانًا مفتوحًا بلا نهاية.
في تلك اللحظة تحديدًا، لا تنقذنا دائمًا القوة الجسدية، ولا المال، ولا النجاح، ولا حتى الأشخاص الذين يحبوننا.
أحيانًا، ما ينقذنا هو المعنى.
أن يكون لديك شيء ما تقول من أجله:
سأواصل.
ليس بالضرورة أن يكون ذلك الشيء مشروعًا عظيمًا أو إنجازًا استثنائيًا.
قد يكون طفلًا ينتظر عودتك، أو أمًا تحتاج حضورك، أو كتابًا لم تنهه، أو فكرة تؤمن بها، أو قضية اخترت أن تدافع عنها، أو حلمًا صغيرًا رفضت أن تدفنه رغم كل ما حدث.
وقد يكون الـ”لماذا” أكثر بساطة من كل ذلك:
لأنني لم أنتهِ بعد.
فالمعنى لا يلغي الألم، لكنه يمنحه سياقًا.
والهدف لا يجعل الطريق قصيرًا، لكنه يجعله قابلًا للعبور.
ولهذا فإن الإنسان الذي يعرف لماذا يفعل ما يفعل، قد يكون أكثر قدرة على احتمال الصعوبات التي تعترض طريقه.
وهذا لا يعني أن أصحاب المعنى لا يتعبون.
يتعبون.
ويخافون.
ويبكون.
ويتراجعون أحيانًا.
لكنهم يجدون شيئًا يعودون إليه، شيئًا يقول لهم إن الطريق، رغم مشقته، لم يفقد قيمته.
بعضهم يصمت.
بعضهم يكتب.
بعضهم يضحك أكثر من اللازم.
بعضهم ينسحب أو يختفي قليلًا.
وبعضهم يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن خلف كل ذلك، قد يكون لديه جواب عن سؤال واحد، حتى لو لم يقله لأحد:
لماذا سأواصل؟
لأن لديّ معنى أعيش من أجله.
لأنني، ببساطة، لم أنتهِ بعد.



