خطوات خشبية نحو رحابة الحياة..

بقلم: مريم أبوري

يظل أول يوم دراسي لنا راسخًا في ذاكرتنا، مهما كبرنا وهرمنا. أتذكر أول يوم لي في مدرسة لالة اليقوت بالحي المحمدي؛ ارتديت آلة المشي الخشبية، وملابس جديدة من حياكة أمي الحبيبة، بما فيها سترة المدرسة. رافقتني جدتي رقية، رحمها الله، إلى المدرسة، وأنا جد فخورة بنفسي؛ لأنني انتقلت من مدرسة باحماد (العثمانية) بعمارات الديوانة، وكان ذلك يعني بالنسبة لي أنني كبرت وأصبحت من رواد المدارس، كأخي وباقي أبناء وبنات عمتي.
وصلت إلى المدرسة وشعور جميل ينتابني؛ لم يكن خوفًا، فأنا منذ صغري أعشق اكتشاف كل جديد ومجهول. غادرت جدتي باب المدرسة بعد أن قبّلت يدها. وقفت في الصف بعدما سمعت اسمي ونسبي ينادي بهما معلم بلهجة جاءتني غريبة، ولم أسمعها من قبل؛ إنها اللهجة الشمالية.
إنه أول معلم تعرفت عليه، وترسخت صورته في ذاكرتي إلى اليوم؛ إنه معلمي الأندلسي، وهو فعلًا اسم على مسمى؛ فهو أندلسي الهوى. علمني النطق بالحروف العربية، وعدّ الأرقام، وعلى يده بدأت تتحسن خطوط حروفي التي تعلمتها سابقًا في باحماد.
بعد أن اكتمل صف تلميذات المعلم الأندلسي في ساحة المدرسة، طلب منا أن نتبعه. تبعت الصف بخطوات متمايلة لجسدي الصغير، وهو الأمر الذي أثار انتباه زميلاتي، فتأخرت في مواصلة المشي. انتبه معلمي لتأخري وناداني يستعجلني، لكنه سرعان ما اكتشف أنني مصابة بإعاقة جسدية.
اقترب مني ومد يده إليّ. شعرت بفخر طفولي كبير؛ فمعلمي هو من يرافق خطواتي الأولى في رحلة التمدرس.
وصلنا إلى بهو المدرسة، حيث الأقسام مصطفة، وتخرج منها أصوات وصراخ الصغيرات. نظر إليّ المعلم، وكان علينا أن نصعد السلالم. ودون تردد منه، حملني بين ذراعيه. صعدت أول سلالم حياتي بين ذراعي معلمي الأندلسي، فكان لي سندًا جديدًا في بداية مشوار حياة طويلة، بعد سند أمي وأبي وعائلتي وأصدقائي وصديقاتي.
أمنيتي أن ألتقي بمعلمي الأندلسي، وبساماك، أول معلمة علمتني الحروف اللاتينية، وبوركون، أول معلم لي علمني أسماء السدود والوديان وتواريخ ملوك المغرب، وكان أول من بشرني بحصولي على شهادة الابتدائية قبل أن «يعلّقوا الأرقام».
شكرًا لمعلميّ ومعلماتي، وعلى رأسهم أبي الحبيب، رحمه الله، المعلم الذي درّس الكثير من أبناء وبنات الحي المحمدي، والذين أصبحوا طاقات وكوادر وأطرًا في مختلف المجالات.
نتمنى موسمًا دراسيًا جديدًا موفقًا، نافعًا وممتعًا لكل التلاميذ والتلميذات.



