السيدة الحرة… امرأة حكمت بحرية في زمن الرجال

السيدة الحرة حاكمة تطوان.. المغربية المسلمة التي تقاسمت سيادة البحر الأبيض المتوسط مع بارباروس
في تاريخ المغرب، أسماء كثيرة سطّرت حضورها بالسيف أو بالكلمة، لكن اسم السيدة الحرة، يظلّ استثناءً نادراً جمع بين الدهاء السياسي، والقوة، والأنوثة الحكيمة. إنها المرأة التي حكمت مدينة تطوان في القرن السادس عشر، وقادت البحر كما يقوده القبطان، وأدارت الحكم كما يديره السلاطين، فكانت أول امرأة تتولى منصب الولاية السياسية في تاريخ المغرب الإسلامي.
اسمها الكامل، عائشة بنت علي بن موسى الثغري الحسني، تنحدر من أسرة الأندلسيين الذين لجأوا إلى شمال المغرب بعد سقوط غرناطة. نشأت في بيئة علم ومعرفة، فتلقت تعليماً راقياً في الدين والسياسة واللغة، كما تأثرت بشخصية والدها، أمير شفشاون، الذي ربّاها على القيادة لا على الطاعة العمياء.
حين تزوجت من الوالي المنظري الثاني، حاكم تطوان، دخلت معه في شراكة سياسية حقيقية، ولم تكن مجرد زوجة في الظل. وبعد وفاته سنة 1515، تولّت بنفسها حكم المدينة، في وقت كان فيه البحر الأبيض المتوسط مسرحاً لصراع بين القوى الإسلامية والإيبيرية.
قائدة بحرية ومفاوضة ذكية
في زمنٍ كانت فيه القرصنة البحرية وسيلةً للدفاع والسيطرة، تحالفت السيدة الحرة مع خير الدين بربروس، القائد العثماني الشهير، لتنظيم مقاومة ضد الأساطيل الإسبانية والبرتغالية. كانت تعرف جيداً أن الدفاع عن تطوان يبدأ من البحر، وأن القوة لا تعني الحرب فقط، بل أيضاً التحكم في التجارة والموانئ.
لقد كانت أول امرأة مغربية تلقّب بـ”الحرة” ليس لأنها تحررت من قيود الرجال فحسب، بل لأنها اختارت أن تكون سيدة قرارها ومصيرها.
زواج سياسيّ من سلطان فاس
بلغ نفوذها حدّاً جعل السلطان الوطّاسي أحمد بن محمد البرتقالي، يسعى إلى الزواج منها، فوافقت، ولكن بشروطها، وكان زواجهما الوحيد في تاريخ المغرب الذي تمّ بمدينة تطوان لا في فاس، وهو تفصيل رمزيّ يعكس مدى مكانتها السياسية.
غير أن هذا الزواج لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تآمرت عليها أطراف في البلاط الوطاسي، وأُبعدت عن الحكم، فعادت إلى شفشاون حيث قضت بقية حياتها في العزلة والسكينة، لكنها لم تفقد مكانتها في الذاكرة المغربية.
إرثٌ من الجرأة والقيادة
لم تكن السيدة الحرة مجرّد امرأة قوية، بل كانت رمزاً للسيادة النسائية في زمن الهيمنة الذكوري. حكمت تطوان لثلاثين سنة تقريباً، في مرحلة حساسة من تاريخ المغرب، وأثبتت أن المرأة قادرة على الجمع بين الحكمة والسلطة، وبين العقل والعاطفة.
ذكراها اليوم في ركن “نساء خالدات”، ليست فقط في كتب التاريخ، بل في وعي جيلٍ جديد يبحث عن قدوة نسائية مغربية تُجسّد معنى الحرية بالمعنى الأعمق للكلمة: حرية الفكر، وحرية القرار، وحرية الكرامة.
السيدة الحرة… حكاية امرأة لم تنتظر إذناً لتكون، بل صنعت لنفسها مكاناً في التاريخ، لا يُمحى
