مدام هاي وبائعة الخبز..

حديث بسمة/ عزيزة حلاق
هي واقفة في قلب حي شعبي مشهور بالرباط، لا تحتمي إلا بطاولة خشبية صغيرة، ولا تملك إلا ما صنعته يداها. تُرتّب أرغفة الخبز وأنواع أخرى من المعجنات خرجت من فرن بيتها، قطعةً قطعة، كأنها ترتب كرامتها أمام العابرين. تجارة هشة، ربحها بالكاد يسد رمق اليوم، لكنها تكفي لتغنيها عن سؤال الناس ومد اليد.
أقف أمامها، وتقف بجانبي “مدام هاي”. امرأة شيك بأناقة باريسية، أعرفها، اسمها يتلألأ في الصالونات المخملية وجمعيات نساء المال والأعمال. حقيبتها وحدها توازي ميزانية شهر كامل لعائلة مثل تلك البائعة. ومع ذلك، تتوقف يدها في الهواء، تتردد، تُساوم. تريد شراء كل ما اشترته من بائعة الخبز بثمن أقل.
في تلك اللحظة، لا يعود المشهد مجرد بيع خبز أو بيض أو قصبور ومعدنوس. يصبح مواجهة عارية بين عالمين: عالم يقاتل ليحفظ كرامته بلقمة حلال، وعالم يتدرّب على الخطاب والواجهة، لكنه حين يواجه الفقر وجهًا لوجه، يختار أن يضغط عليه أكثر. هنا، لا يُفضَح الفقر فقط… بل يُفضَح الضمير.
هذه المفارقة ليست حكاية عابرة، بل مرآة لخلل أخلاقي يتكرّر يوميًا في أسواقنا. كيف لمن تملك الملايين أن تساوم امرأة لا تملك أحيانًا سوى قوت يومها؟ أهو البخل؟ أم الجشع؟ أم احتقار غير معلن لقيمة العمل الذي تؤديه بائعة الخبز؟
ليس المال هو المحور هنا، بل التصور الذي يحكم العلاقة بين من يملك ومن لا يملك. بعض الأغنياء يتخيلون أن ثروتهم تمنحهم امتيازًا لتفادي دفع ما يدفعه الآخرون، بينما الحقيقة أن الأخلاق لا تُقاس بقيمة الحقيبة، بل بقيمة الضمير. ومن العبث أن تتزين سيدة بثياب فاخرة، ثم تسمح لنفسها أن تنتزع ما ليس لها من يد امرأة تكافح لتصنع لقمة نظيفة.
هذه الحادثة تكشف الميزان المختل في مجتمع يتباهى بمظاهر الكرم في المناسبات الخاصة، ويقصّر في أبسط امتحانات الإنسانية، احترام جهد الآخر، ولو كان ثمنه ( 4 دريال)،
البائعة بدت في تلك اللحظة أكثر ثراءً، غنية بكرامتها وإصرارها على ألا تُنتهك قيمة ما تصنعه بيديها. أمّا “مدام هاي”، فكانت تحمل حقيبة مليئة… وسلوكًا لا إنسانيا فارغًا.
أحيانًا، تجد نفسك في هذا المأزق. تقف أمام بائع مسكين يتعرض لمساومة جارحة، ويحاول إقناع الزبون بصوت منكسر. ترى كيف ترتجف الكلمات في حلقه، وكيف يتمسك بكرامته قبل ثمن بضاعته.
وفي لحظة لا تُحتمل فيها المزيد من الإهانة، تتدخل. تمد يدك بثمن الحاجة أو أكثر، ليس للتباهي، بل لتقول للآخر من دون رفع صوتك:
.”ادفع الثمن كاملًا… فقط لا تُهِن كرامته“
تُظهر له أن السلعة ليست ما يُوجع، بل الطريقة. وأن الفقر ليس عيبًا، لكن إذلال الفقير هو العيب بعينه.
هنا تذكرت كلمات أحد الآباء حين سأله ابنه لماذا يدفع أكثر للبسطاء مما يطلبون، فقال
“يا بني… إنها صدقة مغلفة بالعزة.”



