انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
حديث بسمة

 في انتظار غودو… الشرق الأوسط على حافة الانفجار

حديث بسمة: عزيزة حلاق

على خشبةٍ عارية إلا من شجرة يابسة، ينتظر رجلان شخصًا لا يأتي.

هكذا رسم صموئيل بيكيت عبثه الخالد في “في انتظار غودو”.

لكن الخشبة اليوم ليست مسرحًا، بل منطقةً كاملة تشتعل.

في جهةٍ من المشهد تقف إسرائيل، مدعومةً استراتيجيًا من الولايات المتحدة، وبعلاقاتٍ متشابكة مع بعض دول الخليج التي ترى في تمدّد إيران تهديدًا مباشرًا لتوازن الإقليم ومصالحه.

وفي الجهة الأخرى، تتموضع طهران، لا بوصفها دولةً فحسب، بل باعتبارها شبكة نفوذٍ عابرة للحدود، خرجت من الإطار الخليجي–العربي السني إلى فضاء تحالفات أوسع، تمتد نحو الصين وروسيا.

خطيئتها، في نظر خصومها، أنها تجرأت على تحدّي المعادلة القائمة، واقتربت من عتبة النادي النووي.

ولعنتها أنها تجلس فوق أرضٍ مثقلة بالنفط… وبالتاريخ.

نحن اليوم أمام منطقةٍ تتقاطع في سمائها الصواريخ كما تتقاطع تحتها المصالح، وتتزاحم فوقها التصريحات كما تتشابك في باطنها الحسابات.

اشتباكُ تحالفاتٍ غير مكتملة الوضوح، وتوازناتٍ قابلةٍ للاهتزاز في كل لحظة.

المشهد يبدو عبثيًا…

لكن عبثيته ليست في ما يحدث، بل في أننا اعتدنا حدوثه.

والكل في انتظار غوتو.

من هو غودو هنا؟ لا أحد يعرف.

هل هو السلام المؤجل؟

أم الحرب الكبرى التي يخشاها الجميع ويتظاهرون بالاستعداد لها؟

كل طرف يقول: “لن تقع الحرب.”

لكن الجميع يتصرف كأنها قاب قوسين.

في مسرحية بيكيت، يتكرر الحوار، وتتكرر الحركات، ويؤجل القرار إلى الغد.

وفي المنطقة، يتكرر السيناريو:

صاروخ يُطلق.

آخر يُعترض.

بيان شديد اللهجة.

تغريدة مشتعلة.

ثم صمتٌ قصير… قبل أن يبدأ الفصل من جديد.

خلال مرحلة دونالد ترامب، تحوّلت المنصات الرقمية إلى ما يشبه الستارة التي تُرفع فجأة عن مشهد غير متوقع. تصريح قد يشعل الأسواق، وآخر قد يربك الحلفاء. لم يعد الجمهور ينتظر البيان الرسمي، بل ينتظر إشعارًا على الهاتف.

العبث هنا لا يعني غياب العقل، بل فائض الحسابات.

الجميع يحسب بدقة:

كم صاروخًا يكفي للردع؟

كم تصريحًا يكفي لحفظ الهيبة؟

وكم خطوةً إلى الخلف تمنع الانفجار؟

فلاديمير وإستراغون كانا يخشيان الفراغ إن توقفا عن الانتظار.

ودول المنطقة تخشى الفراغ إن توقفت عن التلويح بالقوة.

الانتظار يمنح المعنى، حتى لو كان معنى هشًا.

المفارقة أن الحرب الشاملة لا تقع لأن الجميع يخشاها،

والسلام الشامل لا يتحقق لأن أحدًا لا يثق بالآخر.

فنظل عالقين في منطقةٍ رمادية، بين نارٍ لا تشتعل بالكامل، وهدنةٍ لا تنضج.

في نهاية كل فصل من مسرحية “في انتظار غودو”، يقول أحدهما: “لنذهب.”

ولا يذهبان.

وفي نهاية كل جولة تصعيد، يقال: “انتهت الأزمة.”

ولا تنتهي.

ربما المنطقة كلها تقف تحت شجرة بيكيت،

ترفع عينيها إلى سماءٍ مزدحمة بالصواريخ،

وتنتظر غودو…

الذي قد يكون اسمه “اتفاقًا شاملًا”،

أو “ضربةً فاصلة”،

أو ببساطة “يقينًا” لا يبدو أنه سيأتي.

وحتى ذلك الحين، ستبقى المسرحية بلا سكريبت مكتمل،

يكتبها اللاعبون على عجل،

ويؤدي أدوارها شعوبٌ لم تُستشر في النصّ أصلًا.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا