انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
حديث بسمة

شكرًا… لأنك رأيتني !

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

كثيرًا ما نبحث عن الخير في الأفعال الكبيرة، وننسى أنه يبدأ من أبسط ما يمكن: أن نرى الإنسان أمامنا.

نتوهم أن الخير يحتاج إلى قرارات كبرى أو إمكانيات استثنائية. غير أن بعض التجارب الإنسانية البسيطة تكشف لنا حقيقة مختلفة تمامًا: أن أعظم العطاء يبدأ حين نرى الإنسان، ونصغي إليه، ونعترف بوجوده.

يحكي أحد المدوّنين أنه يعيش في الولايات المتحدة، وقد اعتاد أن يشتري بطاقات هدايا  “ستاربكس” بقيمة ست دولارات. أربع بطاقات كل شهر. لا يوزّعها عشوائيًا، بل يبحث عن الأشخاص الذين يمرّون بيوم صعب: موظف أنهكه سوء معاملة، عامل يساعده إلى السيارة، أو أي إنسان يشعر أنه غير مرئي.

كان ينظر إليهم في أعينهم ويقول ببساطة:

“كيف يومك؟ دعني أشتري لك فنجان قهوة”.

ثم يستمع. فقط يستمع.

يقول إن بعضهم كان يبكي، لا من أجل القهوة، بل لأن أحدًا توقّف أخيرًا ليراه ويهتم به. ولم يتوقف أثر هذه التجربة عنده، بل نقلها إلى ابنه المراهق، وعلّمه أن ينظر جيدًا إلى الناس، وأن يبحث عمّن يحتاج إلى من يراه ويمنحه الإصغاء قبل أي شيء آخر. وكان الابن وفيًّا لوصية والده.

هذه القصة عادت إليّ بقوة في أحد لقاءاتنا داخل مجلس الحب والمحبة، حين رُويت شهادة إنسانية مغربية لا تقل عمقًا ولا صدقًا، شهادة طبعتني..

كان المتحدّث مسؤولًا في إحدى المؤسسات الكبرى بالمغرب، رجلًا شهمًا، عُرف بدماثة خلقه وتواضعه. لم يتحدّث عن منصبه، بل عن مشهد يومي بسيط يتكرّر كل صباح. قال   – محمد كرين، هو اليوم، سفير المملكة المغربية بلبنان- إنه في طريقه إلى مكتبه كان يمرّ بعاملة نظافة تمسح الممرّات والنوافذ في صمت، فيحيّيها بتحيّة صادقة:

“صباح الخير”.

لكن المرأة لم تكن ترد التحية بمثلها، بل تقول في كل مرة:

“شكرًا”.

استوقفه الأمر، فسألها ذات يوم بلطف عن السبب. فأجابته بجملة قصيرة، لكنها ثقيلة المعنى والدلالة:

” شكرا حيث كتشوفني…لأنك تراني…”.

ما أقوى هذا الرد.

وما أوجع هذه الصورة.

في تلك اللحظة، تلاشت المسميات والمناصب. لم يعد هو مسؤولًا، ولم تعد هي عاملة نظافة. كان هناك فقط إنسان اعترف بوجود إنسان آخر. وهذا الاعتراف، في عالمنا القاسي، قد يكون أسمى أشكال الرحمة.

بين بطاقة قهوة في أمريكا، وكلمة “صباح الخير” في ممر مؤسسة مغربية، يتجلّى الدرس ذاته:

الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الكثير… يحتاج فقط أن يُرى، وأن يُعامَل بكرامة، يحتاج إلى كلمة طيبة إلى ابتسامة (أليس تبسمك في وجه أخيك صدقة؟)..

لعل أعظم أعمال الخير في زمننا ليست ما نمنحه من مال، بل ما نمنحه من حضور.

أن نتوقف.

أن ننظر في العيون.

أن نصغي.

فربما، بكلمة واحدة صادقة، نُنقذ إنسانًا من أن يشعر بأنه شبح.

 

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا