انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
حديث بسمة

برافو كوثر بن هنية..

حديث بسمة: عزيزة حلاق

“صوت هند رجب”… حين يُرفَض وسام السلام أمام امتحان الضمير

أشعر بالمسؤولية أكثر مما أشعر بالامتنان

 

أن تُقسَم الجائزة نصفين، فيُمنَح نصفها للضحية ونصفها الآخر للجلاد، ثم يُقال إن ذلك من أجل السلام… تلك كانت المفارقة التي فجّرت الجدل خلال فعاليات موازية لـمهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث أُعلن فوز فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة “أكثر فيلم قيمة”، بينما جرى في الأمسية نفسها تكريم الجنرال الإسرائيلي السابق نوعام تيبون، الشخصية المحورية في الوثائقي الكندي “الطريق بيننا”، وتقديمه بوصفه بطلاً.

في عالم السينما، تُقاس اللحظات بعدد الجوائز التي تُرفع، لا بعدد الجوائز التي تُترك.

لكن ما حدث في برلين كسر القاعدة.

لم تصعد كوثر بن هنية إلى المنصة لتحتضن التمثال، بل لتضع مسافة بينها وبينه. لم ترفع الجائزة، بل رفعت سؤالاً أخلاقيًا. بدا المشهد، في ظاهره، احتفالًا. غير أن الاحتفال فقد براءته عندما وُضِعت الضحية والجلاد في كفّتين متجاورتين، تحت شعار واحد.

قالت المخرجة بوضوح إن فيلمها لا يتحدث عن طفلة واحدة فقط، بل عن نظام جعل قتلها ممكنًا. وأضافت: “أشعر بالمسؤولية أكثر مما أشعر بالامتنان.”

ثم مضت أبعد من الكلمات: رفضت أن تأخذ الجائزة معها.

في تلك اللحظة، استعادت السينما معناها الأول: أن تكون موقفًا قبل أن تكون صورة.

فالجوائز، في جوهرها، اعتراف. لكنها قد تتحول أحيانًا إلى محاولة لتجميل التناقضات. تمنح الضحية مساحة رمزية، بينما تستمر البُنى التي صنعت مأساتها دون مساءلة. يصبح التكريم، في هذه الحالة، شكلًا من أشكال الاحتواء لا الاعتراف، ومن التوازن الشكلي لا العدالة.

كان بإمكان كوثر بن هنية أن تقبل الجائزة وتصمت. كان بإمكانها أن تعتبرها انتصارًا شخصيًا. لكنها اختارت الطريق الأصعب: أن تحمي معنى فيلمها من أن يتحول إلى ديكور احتفالي.

لأن “صوت هند رجب” ليس فيلمًا يبحث عن مجد، بل عن ذاكرة. والذاكرة، حين تُختزل في تصفيق، تفقد حدّتها.

والسلام، كما قالت ضمنًا، ليس عطرًا يُرش فوق العنف كي تبدو الصورة أكثر أناقة.

ما حدث لم يكن لحظة عاطفية عابرة، بل إعادة تعريف لقيمة الجائزة نفسها. كأنها تقول إن السينما ليست منصةً تُلتقط عليها الصور، بل مساحة يُختبر فيها الضمير. وأن العدالة ليست كلمة تُتلى في بيان، بل شرطًا أخلاقيًا لا يقبل القسمة.

في نهاية الأمسية، بقي التمثال على المنصة وحيدًا.

تركته كوثر بن هنية خلفها، بعدما ختمت كلمتها بوضوح لا يحتمل التأويل:

لن آخذ الجائزة إلى بيتي. أتركها هنا كتذكير. وعندما يسعى السلام بوصفه التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا متجذرًا في المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود وأقبلها بفرح.

هكذا تحوّل التمثال من تكريم إلى شاهد.

ومن جائزة تُحمل إلى بيت، إلى سؤال يُترك في العلن.

لأن الجائزة، في تلك الليلة، لم تذهب إلى بيت المخرجة.

بل ذهبت إلى مكان أبعد: إلى سؤالٍ مفتوح حول معنى السلام، وحدود الحياد، ومسؤولية الفن حين يلتبس المشهد.

أحيانًا، أعظم انتصار ليس أن تفوز بالجائزة…

بل أن ترفضها….برافو كوثر.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا