الانسحاب الأنيق

حديث بسمة / عزيزة حلاق
في لحظةٍ ما، دون سابق إنذار، قد تشعر بأنك لم تعد الشخص ذاته الذي كنته قبل أعوام. شيءٌ ما داخلك يتغيّر، يهمس لك: كفاك مجاملة، كفاك تبريرًا، كفاك خوضًا في علاقات لا معنى لها. تبدأ برؤية الأشياء على حقيقتها، من دون أقنعة ولا زينة، وتكتشف أن كثيرًا مما كان يحيط بك… لم يكن لك.
تكتشف، متأخرًا أو في اللحظة الحاسمة، أن بعض الصداقات لم تكن يومًا سوى غلافٍ أنيق لفراغٍ مُتعب… ودٌّ مُعلن، وإنهاكٌ مُضمر. ليست إلا وقتًا يُستهلك، لا يُعاش.
لقاءاتٌ تتكرر بلا روح، كمشاهد مستهلكة في مسرحٍ بلا جمهور، تُقال فيها الكلمات ذاتها، وتُعاد فيها الابتسامات ذاتها، حتى تفقد معناها.
علاقاتٌ لا يجمعها الصدق، بل تُسيّرها الصدفة، ويحرّكها أحيانا قناع المصلحة.
المجاملات فيها تتفوق على الودّ الحقيقي. وهكذا، تتخذ القرار الصعب والبسيط في آنٍ واحد.. الانسحاب …
تنسحب… بهدوءٍ يليق بك،
ومن دون تبريرٍ يُهدر ما تبقّى من صدقك..
تنسحب حين تنكشف حقيقة الآخر، حين تصبح اللعبة واضحة إلى درجة لا تسمح لك بالاستمرار فيها. حين تدرك أنك لم تعد قادرًا على التظاهر بأنك لا ترى، لا تفهم، لا تحس. تنسحب دون كراهية، دون ضغينة. فقط لأنك قررت أن تعيش الحقيقة، أن تكون صادقًا مع نفسك. فقرارك ليس رفضًا للآخر، بل رفضًا لدورٍ لم تكتبه أنت، بل فرض عليك..
أن تنسحب من كل ما يستنزف روحك ووقتك وطاقتك. أن تُغلق الأبواب التي يدخل منها التوتر، وتفتح فقط تلك التي تفضي إلى الهدوء. لا خصام، لا صراخ، لا دراما. فقط صمتٌ دافئ، ومسافة أمان تحفظ لك سلامك الداخلي.
الانعتاق من العلاقات العاطفية والصداقات المرهقة ليس هروبًا، بل تحرر. تحرر من كل ما لا يُشبهك، من كل ما لا يمنحك الراحة، ولا يفتح لك مساحات للصدق والصفاء. نعم، تهرب، لكن ليس خوفًا… تهرب لتستنشق هواءً نقيًا، لتعيد ترتيبك الداخلي، لتعيش كما تريد، لا كما يُتوقع منك أن تعيش. تُغلق الباب على كل الأدوار التي لم تكن لك، على النسخ التي ارتديتها لتتماهى مع محيطك، وتبدأ رحلة العودة إلى الأصل… إلى نفسك.
في هذه العزلة المختارة، تبدأ الرحلة الأصدق، حديثك مع نفسك. تكتشف كم أهملتها طويلًا، كم مرة أسكتَّ صوتها الداخلي فقط لترضي الآخرين. والآن، وقد صرت وحدك، تسمعها جيدًا. تبوح، وتعاتب، وتسامح.
تبدأ بالكتابة، أو الرسم، أو المشي الطويل بلا وجهة. تراقب الحياة تمرّ، دون أن تُسحب معها. تكتشف قدرات كانت مطمورة تحت طبقات الالتزامات الزائفة. شيئًا فشيئًا، تصبح أخفّ. أكثر اتساقًا مع ذاتك. أكثر صدقًا في اختياراتك. وأكثر إبداعًا… لأنك، ببساطة، عدت إليك.
تنسحب بما يكفي لتحمي نفسك من الاستنزاف، من علاقات مرهقة، لتمنحها ما تستحقه من راحة وصدق وهدوء. أن تجرؤ على قول “لا” حين تكون “نعم” خيانة لسلامك الداخلي. أن تضع الحدود التي تحميك، وتعيد رسم دوائرك باختيار نابع من الوعي، لا من ضغط العادة أو واجب المجاملة.
لستَ مضطرًا لتبرير قرارك لأحد. فالسلام الروحي لا يُشرح… وإنما يُعاش.



