جان بول سارتر:الفيلسوف الذي اختار الحرية ورفض الأوسمة

بقلم: عبد الله الشامي
“الإنسان محكوم عليه بالحري. محكوم عليه لأنه ليس هو من خلق نفسه، في حين أنه مع ذلك يكون حرا، لأنه بمجرد ما يلقى به في العالم يكون مسؤولا عن كل ما يفعل”..
لم يكن جان بول سارتر (1905/ 1980)، مفكرًا عابرًا في تاريخ الفلسفة، بل كان ظاهرة فكرية كاملة، عاش أفكاره كما كتبها، ودافع عنها كما لو كانت قدره الشخصي. في قلب مشروعه الفلسفي تقف الحرية، لا كشعار نظري، بل كمسؤولية ثقيلة لا مهرب منها.
أسّس سارتر فلسفته الوجودية على فكرة صادمة في بساطتها: الإنسان يوجد أولًا، ثم يختار ما يكونه.
لا جوهر مسبق، ولا قدر مكتوب، ولا أعذار ميتافيزيقية. نحن محكومون بالحرية، وهذه الحرية هي مصدر قلقنا، لكنها في الوقت ذاته شرط إنسانيتنا.
من هنا، يصبح الإنسان مسؤولًا لا عن ذاته فقط، بل عن العالم الذي يساهم في تشكيله. ولذلك لم يكن الفكر عند سارتر ترفًا ذهنيًا، بل التزامًا أخلاقيًا. فالكاتب، في نظره، لا يملك رفاهية الحياد، لأن الصمت نفسه موقف.
دافع سارتر عن مفهوم الأدب الملتزم، حيث تتحول الكتابة إلى فعل مساءلة ومواجهة. لم يكن يؤمن بالأدب المعزول عن قضايا البشر، بل رأى فيه أداة لكشف الظلم وفضح الزيف وتحريك الوعي الجمعي. لهذا ظل حاضرًا في قضايا عصره، مناهضًا للاستعمار، ناقدًا للهيمنة، ومشاغبًا دائمًا للسلطات.
منذ بداياته، رفض سارتر كل أشكال التكريم الرسمي: الأوسمة، المناصب، الجوائز. لم يكن ذلك تعاليًا ولا إنكارًا لقيمة الاعتراف، بل موقفًا فلسفيًا واعيًا. كان يخشى أن يتحول المفكر إلى رمز مُدجَّن، أو إلى “ضمير معتمد” داخل منظومة مؤسساتية قد تحدّ، ولو معنويًا، من حريته النقدية.
بالنسبة إليه، أخطر ما قد يصيب المفكر هو أن يُحسب على جهة ما، أو أن يُقرأ فكره من خلال موقعه لا من خلال أسئلته.
عندما أعلنت الأكاديمية السويدية سنة 1964 فوز جان بول سارتر بجائزة نوبل للآداب، فاجأ العالم برفضها. غير أن هذا الرفض لم يكن نزوة ولا موقفًا استفزازيًا، بل انسجامًا دقيقًا مع مساره الفكري والأخلاقي.
في نظر كثير من المثقفين، لم يكن سارتر قد “رفض” الجائزة بقدر ما قال ببساطة:
“هناك من هم أحوج إليها مني”.
بهذه العبارة، تحوّل الرفض من احتجاج رمزي إلى درس أخلاقي عميق. لم يرَ في الجائزة استحقاقًا شخصيًا، ولا في اسمه مركز الكون الثقافي، بل اعتبر أن القيمة الحقيقية للفكر لا تُختزل في لقب، ولا تُقاس باعتراف مؤسسة، مهما كان وزنها.
كان يخشى أن يتحول اسمه إلى صفة: “الحائز على نوبل”، وأن يُقرأ فكره من خلال هذا التتويج لا من خلال قلقه وأسئلته وتمرده.
ما ميّز سارتر عن كثير من الفلاسفة أنه لم يفصل بين ما يكتب وما يعيش. عاش أفكاره حتى نهايتها، بكل ما فيها من توتر وتناقض. لم يسعَ إلى الطمأنينة، بل إلى الصدق. ولم يبحث عن الإجماع، بل عن المعنى.
رفضه للجوائز لم يكن رفضًا للتقدير، بل دفاعًا عن استقلالية الفكر، وعن حق المثقف في أن يبقى خارج الاصطفاف الرمزي.
جان بول سارتر لم يرفض الجوائز لأنه ضد الاعتراف، بل لأنه كان ضد ترويض الفكر. اختار أن يظل حرًا، حتى لو كان ثمن الحرية العزلة وسوء الفهم. ولهذا، لم يصبح “حائزًا على نوبل”، بل أصبح شيئًا أندر:
مثقفًا كبيرًا في نظر كثير من المثقفين، وإنسانًا كبيرًا لأنه وضع المعنى فوق المجد، والحرية فوق اللقب.



