انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
حديث بسمة

منين يضيق الحال ..ما تعصب ..ما تقلق..غنّي

...فالغناء سر الوجود!

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

لم يعد الغناء مجرد صوت يُؤدّى أو مهارة تُتقن، بل تحوّل، في زمن مثقل بالإيقاع السريع والضغوط اليومية، إلى ملاذ حقيقي لكل من يبحث عن تخفيف ثقل الحياة و روتينها اليومي.

في قاعة بسيطة، تصطف كراسٍ بلا مسرح، وتتداخل أصوات لا تبحث عن الكمال، بل عن المشاركة. نساء ورجال يجتمعون لا ليقدّموا عرضًا، بل ليغنّوا معًا.

هكذا بدأت، خلال السنوات الأخيرة، تتشكّل ظاهرة الجمعيات الغنائية بالمغرب، مع حضور نسائي لافت، وتنوّع موسيقي يستدعي الذاكرة الجماعية ويعيد صياغتها بروح جديدة. تتلاقى الأصوات والقلوب، ونكتشف أن الموسيقى ليست ترفًا، بل وسيلة للتنفس، للتماسك الداخلي، ولإعادة التوازن للروح. ومع كل نغمة، ندرك أن الغناء قادر على ما هو أعمق من التسلية: يخفف، يداوي، ويجعلنا نضحك ونغنّي حتى في أصعب اللحظات.

جمعيات كثيرة، بعناوين ومسارات مختلفة، لكنها تلتقي عند هدف واحد: إحياء التراث ومنحه نفسًا جديدًا. بين النغم الأندلسي والإنشاد الديني، وأثر زرياب والموسيقى المغربية الأصيلة، وصولًا إلى الموشحات والأغاني الشرقية، تختار كل جمعية تخصّصها، وكأنها تشقّ لنفسها طريقًا خاصًا داخل خريطة ثقافية واسعة ومتعددة.

هذه الفضاءات لم تعد مجرد أماكن للتعلّم أو التدريب، بل تحوّلت إلى فسحات حقيقية للتعبير الفني، لتقاسم الشغف، وصناعة لحظات جماعية نادرة في زمن ضاق فيه الوقت على الروح.

الحضور النسائي في هذه التجربة قوي ولافت. نساء من مختلف الأعمار والخلفيات يجتمعن حول الشغف نفسه، ويجدن في الغناء مساحة آمنة للتعبير، للتعلّم، وللاستمتاع، ولبناء روابط إنسانية صادقة. هذا البعد النسائي يمنح التجربة معنى وعمقًا خاصًا، ويجعلها أكثر قربًا من الحياة اليومية وأكثر التصاقًا بالوجدان.

شخصيًا، لم أكن أتصوّر أن الانخراط في جمعية غنائية يمكن أن يمنحني كل هذا الدفء والراحة والشغف. بدأت التجربة بدافع الفضول، وانتهت باكتشاف مساحة تشبه الملاذ: موسيقى، أصوات متناغمة، وقلوب جاءت لتغنّي أكثر مما جاءت لتُتقن.

انخرطت في جمعية تترأسها الأستاذة نفيسة العلوي، تحمل اسمها وحده الكثير من الدلالات، جمعية زرياب للموسيقى والطرب العربي الأصيل، من أوائل الجمعيات التي احتضنت عشّاق هذا الفن العريق، وفتحت لهم فضاءً للتعلّم والتذوّق والحفاظ على التراث الموسيقي. أشرف على تأطيرها في بداياتها الأستاذ الفنان الراحل محمد علي، رحمه الله، إلى حين وفاته في أبريل 2025، فيما يتولى هذه المهمة اليوم الملحن المبدع عزيز حسني، إلى جانب عازف القانون الأستاذ عبد الفتاح الوالي، الرئيس السابق للجوق الوطني، الذي يُمتعنا خلال فترات الاستراحة بذكريات فريدة ومواقف وحكايات من الزمن الجميل للأغنية المغربية. وتحية موصولة أيضًا لباقي أعضاء الفرقة الموسيقية.

داخل هذه الحصص، نغوص في عوالم النغم بتماهٍ جميل مع اللحن والكلمات، لا يهم أن يكون الصوت قويًا بقدر ما يهم أن يكون صاحبه مولعًا. وأحيانًا، من دون تخطيط، تكتشف أن حبالك الصوتية بخير، وأن صوتك يتحسّن مع التدريب والممارسة.

ندخل كل حصة مثقلين بأعباء اليوم، ونخرج أخفّ، كأننا تركنا جزءًا من ثقلنا بين النغمات. شيئًا فشيئًا، ومع انسجام الأصوات وتواطؤ الإيقاعات، يتحوّل الغناء إلى ما يشبه جلسة علاجية جماعية، تُهدّئ التوتر وتمنح الروح فسحة للتنفس. ولا مبالغة في القول إن الموسيقى، في هذا السياق، تصبح شكلاً من أشكال العناية بالنفسية.

وتنتهي الحصة على إيقاع آخر، أكثر بساطة ودفئًا: أحاديث جانبية، كؤوس شاي، وقطع من الحلوى المغربية. ومع مرور الوقت، لم تعد الجمعية مجرد مكان للحصص، بل صارت فضاءً عائليًا-إنسانيًا. رحلات، أمسيات، ولقاءات خارج إطار الغناء تُبنى خلالها صداقات حقيقية وروابط جميلة، ويُمنح لنا إحساس صادق بالانتماء، وطاقة إيجابية تغيّر نظرتنا للحياة.

وانطلاقًا من هذا الوعي بدور الموسيقى في صون الذاكرة الجماعية، تحرص الجمعيات الغنائية، بمختلف تلاوينها، على إحياء سهرات وأمسيات غنائية في مناسبات متعددة، سواء بمناسبة اليوم العالمي للموسيقى، أو خلال محطات دينية ووطنية ذات رمزية خاصة. وضمن تقاليد هذه الجمعيات العريقة، تُمنَح المجموعات الصوتية للكورال فرصة الصعود إلى الخشبة وتقديم وصلات غنائية أمام جمهور حقيقي، في تجربة لا تُختزل في الأداء فقط، بل تمتد إلى مواجهة رهبة المسرح، واختبار الإصغاء، وبناء الثقة في الصوت والذات. إنها لحظة عبور من التمرين إلى الفن، ومن الجماعة المغلقة إلى الفضاء العمومي.

( الصور من أرشيف جمعية زرياب للموسيقى والطرب العربي الأصيل).

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا