أسماء لمرابط:الدين كأفق للأخلاق لا للإقصاء L’ETHIQUE OUBLIEE DU CORAN

بقلم: عزيزة حلاق

صور: عيسى السوري


في زمنٍ تتصاعد فيه خطابات التطرف والانغلاق، وتُختزل فيه الرسالة الدينية أحيانًا في الأحكام والحدود بدل القيم والمعاني، يأتي كتاب “الأخلاق المنسية في القرآن” للكاتبة والباحثة وعضو أكاديمية المملكة المغربية أسماء لمرابط كصرخة فكرية هادئة، ولكن عميقة، تدعو إلى إعادة اكتشاف البعد الإنساني والأخلاقي للإسلام، واستعادة جوهر الرسالة القرآنية بعيدًا عن القراءات الجامدة والمغلقة.


جلسة ثقافية راقية نظمتها أمس مجموعة “لوماتان”، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، لخصصت تقديم وتوقيع الإصدار الجديد وسط حضور وازن من الكتّاب والمثقفين و من دائرة قراء الفكر التنويري، الذين تابعوا باهتمام مرافعة فكرية جديدة لأسماء لمرابط، باعتبارها واحدة من أبرز الأصوات المغربية والعربية المدافعة عن اجتهاد ديني مستنير، يفتح باب الحوار مع العصر، دون أن يفرّط في القيم المؤسسة للإسلام وروحه الأخلاقية العميقة.
وسط أسئلة الفكر الديني المعاصر، ووسط الحاجة الملحّة إلى إعادة وصل الدين بقيمه الإنسانية الكبرى، يبرز الإصدار الجديد للمفكرة المغربية أسماء المرابط، تحت عنوان:”
L’ETHIQUE OUBLIEE DU CORAN
ولعل الترجمة الأقرب إلى العربية “الأخلاق المنسية في القرآن”، كحلقة جديدة في مشروع فكري متماسك، اختارت له صاحبته منذ سنوات طريق الاجتهاد الهادئ والعميق، القائم على قراءة مقاصدية وأخلاقية للنص القرآني.
في هذا الكتاب، تدعو المرابط إلى العودة إلى “القلب الأخلاقي” للرسالة القرآنية، معتبرة أن القيم المؤسسة للوحي، كالعدل والرحمة والكرامة والعقل والمسؤولية، ليست عناصر ثانوية، بل هي روح النص ومرتكزه الأساسي. وترى أن جزءا كبيرا من أزمات الخطاب الديني اليوم يعود إلى تغليب القراءة القانونية الضيقة على المقاصد الإنسانية الكبرى للإسلام.
وفي توضيح مقتضب، تكتب لمرابط على ظهر الكتاب، خلاصة، ما أتى به هذا الإصدار الجديد، فتقول:”
خلافًا لما يروّج له أولئك الذين يسيئون إلى جوهره، فإنّ القرآن ليس، في المقام الأول، مجرد منظومة قوانين، بل هو أخلاق حيّة نابضة. فمشروعه الأساسي يتمثل في بناء وعي إنساني قادر على تحقيق العدل والرحمة وتحمل المسؤولية، سواء في علاقة الإنسان بالله أو بعلاقته بالناس. لكن عندما تنمحي أو تغيب هذه الغاية الأخلاقية، يفقد الدين معناه الحقيقي، ويتحول إلى تشدد أو يتشظى إلى قراءات متناحرة، وهو ما نعيشه اليوم..
من هذا المنطلق، تدعو أسماء لمرابط إلى إعادة توجيه جوهر الفكر الديني، عبر العودة إلى القلب الأخلاقي للوحي، من أجل تجاوز القراءات القانونية الجامدة، أو الهوياتية، أو الدفاعية، التي أفرغت روح القرآن من نَفَسه الإنساني.
إنها دعوة لاستعادة روح التوحيد باعتبارها تحررًا داخليًا، وإفساح المجال للعقل، بوصفه أداة للتمييز والفهم، وإعادة وضع العدل والرحمة في صميم الإيمان، وفهم العمل الصالح باعتباره التعبير الملموس عن روحانية صادقة وحقيقية.
ومن بين الأفكار الأساسية التي توقفت عندها الأستاذة أسماء المرابط خلال جلسة تقديم كتابها الأخلاق المنسية في القرآن، تأكيدها أن جوهر الرسالة القرآنية يقوم على البعد الأخلاقي والإنساني، أكثر من قيامه على الوعظ الأخلاقي المجرد. (أفضل الأخلاق على الوعظ الأخلاقي)، إذ شددت على أنها تفضّل “الأخلاق” باعتبارها ممارسة وسلوكًا وقيمًا حية، لا مجرد خطاب وعظي أو شعارات جاهزة.
وفي هذا السياق، استحضرت عدداً من المفكرين الذين اشتغلوا على سؤال الأخلاق في الفكر الاسلامي، من بينهم طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، وغيرهم كثير، معتبرة أن العودة إلى النص القرآني تكشف مركزية القيم الأخلاقية في الإسلام، بوصفها عبادة ومعنى عميقًا للدين.
وتوقفت المرابط عند مفهوم الرحمة باعتباره أحد المفاهيم المؤسسة في القرآن، مشيرة إلى رغبتها في إنجاز كتاب خاص حول “الرحمة والمودة”، انطلاقًا من الآية القرآنية: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، معتبرة أن الرحمة ليست قيمة ثانوية، بل روح الرسالة الإسلامية كلها.
كما أكدت على الترابط الدائم في القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، من خلال تكرار عبارة “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”، بما يعكس أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الفعل الأخلاقي والسلوك الإنساني.
وفي حديثها عن العدالة، استحضرت الآية: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”، لتبرز أن العدل في التصور القرآني ليس مجرد مفهوم قانوني، بل قيمة أخلاقية وإنسانية شاملة. وربطت ذلك أيضًا بالقاعدة الفقهية المعروفة: “ادرؤوا الحدود بالشبهات”، معتبرة أنها تعكس ما تعرفه المواثيق الدولية اليوم بمبدأ “قرينة البراءة”، بما يكشف البعد الأخلاقي العميق للتشريع الإسلامي حين يُقرأ في سياقه المقاصدي والإنساني.
كما شددت على أن القرآن “يفسر بعضه بعضًا”، وأن فهم النصوص يقتضي اعتماد مقاربة تاريخية نقدية تراعي أسباب النزول والسياقات المختلفة للآيات، خاصة الآيات التي تبدأ بـ “ويسألونك”، والتي لا يمكن فصلها عن سياقها التاريخي وأسئلتها الواقعية ومقاصدها الأخلاقية.


إن هذا الكتاب هو دعوة إلى نهضة جديدة: أن نتعلم من جديد قراءة القرآن بوصفه قوة للأنسنة، ومصدرًا للسلام، ومسارًا نحو الخير المشترك. إنها أخلاق قرآنية معاصرة، قادرة على ترميم علاقة الإنسان بذاته، وبالآخرين، وبالعالم.
وكما أوضحت لمرابط من خلال تفاعلها مع أسئلة الإعلامية المقتدرة حنان حراث أو مع استفسارات الحضور، فإن هذا العمل لا يندرج ضمن خطاب الصدام أو القطيعة مع التراث، بل ضمن محاولة هادئة لإعادة التفكير فيه، وفهمه في سياقه التاريخي والإنساني، بما يسمح بتحرير المعنى الديني من الانغلاق والتوظيف الإيديولوجي. ومن هنا تأتي أهمية هذا الإصدار، الذي لا يكتفي بالنقد، بل يقترح أفقا فكريا وروحيا جديدا، يجعل من الدين قوة للارتقاء الأخلاقي، لا أداة للوصاية أو الإقصاء.


