حين تصبح عائلة دوغلاس فيلمًا..It Runs in the Family

ثلاثة أجيال من دوغلاس أمام الكاميرا… وما الذي “يجري” فعلًا في العائلة؟


هناك أفلام نشاهدها من أجل قصتها، وأخرى نشاهدها من أجل ممثليها. وهناك أفلام تجعلنا نتساءل: ماذا يحدث حين تصبح الحياة العائلية نفسها جزءًا من الحكاية؟
هذا ما يجعل فيلم It Runs in the Family، الذي أخرجه الأسترالي فريد شبيسي عام 2003، حالة سينمائية لافتة. فالفيلم جمع أمام الكاميرا ثلاثة أجيال من عائلة دوغلاس: الأسطورة كيرك دوغلاس، وابنه النجم مايكل دوغلاس، وحفيده كاميرون دوغلاس. والأكثر إثارة أن ديانا دوغلاس، الزوجة الأولى لكيرك ووالدة مايكل، شاركت أيضًا في الفيلم، مؤدية دور زوجة شخصية كيرك.
أي أننا لا نشاهد فقط عائلة خيالية على الشاشة، وإنما نشاهد عائلة حقيقية من هوليوود وهي تؤدي دور عائلة أخرى.
وهنا تبدأ لعبة الفيلم الحقيقية.
ثلاثة أجيال… وثلاثة وجوه للرجل
تدور الحكاية حول عائلة “غرومبرغ” في نيويورك، وبشكل أساسي حول ثلاثة رجال يمثلون ثلاثة أجيال: الجد ميتشل، الذي يؤديه كيرك دوغلاس، وابنه أليكس، الذي يؤديه مايكل، وحفيده آشر، الذي يؤديه كاميرون. ثلاثة رجال يعيش كل واحد منهم أزمة مختلفة، لكنهم يكتشفون تدريجيًا أن مشاكلهم ليست منفصلة تمامًا، وأن شيئًا ما ينتقل من جيل إلى آخر.
الجد يواجه الشيخوخة والمرض والموت.
الابن يواجه أزمة منتصف العمر، وخوفه من أن يتحول إلى صورة من أبيه الذي لم يكن قريبًا منه بالقدر الكافي.
أما الحفيد، فيبدو ضائعًا، متمردًا، متورطًا في المخدرات وعلاقات مضطربة، وكأنه يحمل على كتفيه كل ما لم تستطع الأجيال السابقة حله.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من قصة عائلة واحدة:
هل نرث آباءنا فعلًا؟
ليس بالجينات وحدها، وإنما بطريقة الحب، والغضب، والصمت، والغياب، وحتى الأخطاء.
“إنها تجري في العائلة”… ولكن ماذا؟
العنوان It Runs in the Family يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه شديد الدلالة.
هناك أشياء “تجري في العائلة”: الملامح، بعض الطباع، طريقة الكلام، وربما حتى بعض نقاط الضعف.
لكن الفيلم يذهب أبعد من ذلك. هناك أيضًا الجراح التي تنتقل من الأب إلى الابن، والخوف الذي يتحول إلى قسوة، والحاجة إلى الاعتراف التي قد تستمر ثلاثة أجيال.
أليكس، الذي يؤديه مايكل دوغلاس، لا يريد أن يصبح مثل والده. لكنه يكتشف أن مجرد رفض الأب لا يعني بالضرورة التحرر منه. أحيانًا نقضي حياتنا في محاولة ألا نصبح مثل آبائنا، فنجد أنفسنا، من حيث لا ندري، نكرر بعض ما كنا نخشاه فيهم.
وهذه واحدة من أكثر أفكار الفيلم إنسانية.
فالابن لا يرث أباه فقط عندما يقلده؛ قد يرثه أيضًا عندما يقضي حياته كلها في مقاومته.
كيرك دوغلاس… أب على الشاشة وأب في الحياة
يصعب مشاهدة الفيلم دون التفكير في العلاقة الحقيقية بين كيرك ومايكل دوغلاس.
لقد كان كيرك دوغلاس، أحد عمالقة العصر الذهبي لهوليوود، في السادسة والثمانين من عمره عندما ظهر في الفيلم. وكان هذا العمل من آخر أفلامه السينمائية، كما كان الفيلم الـ86 في مسيرته.
لكن المفارقة أن كيرك هنا لا يؤدي فقط دور أب مسن.
إنه يؤدي دور أب يواجه ضعفه، ومرضه، وماضيه، واحتمال أن تكون علاقته بابنه قد تركت ندوبًا لم تختفِ مع مرور السنوات.
وهنا يصبح وجود مايكل إلى جواره أكثر من مجرد اختيار فني.
الأب والابن اللذان احتاجا أكثر من عشرين عامًا قبل أن يجدا مشروعًا مناسبًا ليظهرا معًا على الشاشة، أصبحا فجأة داخل قصة تتحدث تحديدًا عن الآباء والأبناء وما يعجزون عن قوله لبعضهم.
كأن السينما منحت الاثنين مساحة ثالثة بين الواقع والخيال، يستطيعان فيها أن يقولا أشياء ربما يصعب قولهما في الحياة.
والمفاجأة الأكبر: ديانا دوغلاس
ربما تكون أكثر تفاصيل الفيلم إثارة للتأمل هي مشاركة ديانا دوغلاس.
ديانا كانت الزوجة الأولى لكيرك دوغلاس، وأم مايكل دوغلاس. انفصل الزوجان في الحياة الواقعية منذ عقود، لكنهما حافظا على علاقة ودية. وفي الفيلم تؤدي ديانا دور زوجة شخصية كيرك.
وهنا يصبح الواقع أكثر غرابة من السيناريو.
زوج سابق وزوجته السابقة، ابنهما، وحفيده… يجتمعون جميعًا في فيلم عن عائلة تعاني من مشاكل الزواج والأبوة والشيخوخة والمصالحة.
ليس من الصعب أن نفهم لماذا رأى بعض النقاد أن مشاهدة الفيلم تجعل حياة عائلة دوغلاس الحقيقية تحضر بقوة، حتى لو كانت قصة “غرومبرغ” خيالية. الناقد السينمائي روجر إيبرت أشار تحديدًا إلى أن الفيلم يفتح الباب أمام المقارنة بين مشكلات الشخصيات ومشكلات العائلة الحقيقية، حتى لو لم يكن التطابق مباشرًا.
كاميرون… الحلقة الثالثة
ثم هناك كاميرون دوغلاس، الذي كان في بدايات مسيرته السينمائية عندما شارك في الفيلم.
وجوده مهم جدًا، لأنه يمثل الجيل الثالث. وهنا تصبح المعادلة واضحة:
كيرك، مايكل، كاميرون.
ثلاثة رجال من العائلة نفسها، لكن ثلاثة أجيال مختلفة.
والفيلم لا يقدم الحفيد بوصفه مجرد نسخة شابة من أبيه أو جده، وإنما باعتباره شخصًا يحاول أن يجد طريقه وسط إرث عائلي ثقيل.
وهذه ربما إحدى أقوى زوايا الفيلم: حين يولد الإنسان داخل عائلة ناجحة جدًا، قد يرث الاسم قبل أن يرث الموهبة، ويرث التوقعات قبل أن يكتشف ذاته.
ليست عائلة دوغلاس… لكنها تشبهها أكثر مما ينبغي
من المهم ألا نقع في فخ اعتبار الفيلم سيرة ذاتية لعائلة دوغلاس. السيناريو من كتابة جيسي ويغوتو، والشخصيات هي عائلة “غرومبرغ” الخيالية. لكن اختيار دوغلاس الأب والابن والحفيد، إلى جانب ديانا، يجعل الحدود بين الحقيقة والخيال رقيقة جدًا.
ولهذا انقسم النقاد حول الفيلم.
فبعضهم رأى أن وجود أفراد العائلة الحقيقية يمنحه صدقًا عاطفيًا نادرًا، فيما اعتبر آخرون أن “حيلة” جمع ثلاثة أجيال من دوغلاس تطغى أحيانًا على الفيلم نفسه.
لكن ربما يكون من الظلم الحكم عليه فقط من زاوية الحبكة أو الإيقاع.
لأن قيمة الفيلم الحقيقية تكمن في شيء آخر:
أن ترى كيرك دوغلاس، الرجل الذي أمضى عقودًا وهو يجسد القوة والرجولة والحضور الطاغي، يواجه على الشاشة احتمال أن يصبح ضعيفًا، مسنًا، محتاجًا إلى الآخرين.
وترى مايكل دوغلاس، النجم الذي صنع مجده الخاص، وهو يؤدي دور رجل يخشى أن يكرر أخطاء أبيه.
وترى كاميرون، الجيل الثالث، وهو يحاول ألا يدفع ثمن أخطاء الجيلين السابقين.
ما الذي يبقى بعد الفيلم؟
ربما لا يبقى الكثير من تفاصيل القصة.
لكن تبقى فكرة.
العائلة هي أول سيناريو نقرأه قبل أن نتعلم القراءة.
نتعلم منها كيف نحب، وكيف نغضب، وكيف نصمت، وكيف نتصالح، وكيف نخاف.
وقد نقضي سنوات نحاول التخلص من إرثها، ثم نكتشف أننا نحمل بعضه معنا أينما ذهبنا.
ولهذا فإن عنوان الفيلم ليس مجرد عنوان.
It Runs in the Family.
نعم، هناك أشياء تجري في العائلة.
لكن الإنسان، لحسن الحظ، لا يكون دائمًا أسيرًا لما ورثه.
إنها صورة ثلاثة أجيال وهي تنظر إلى بعضها البعض وتسأل: ماذا أخذنا من الذين سبقونا؟ وماذا سنترك لمن سيأتي بعدنا؟



