نبيلة معن.. حين يتحول الصوت إلى قصيدة

بسمة نسائية/ عزيزة حلاق


منذ أول مرة استمعت فيها إلى نبيلة معن، أدركت أنني أمام صوت لا يشبه الأصوات العابرة. ذلك الصوت الشفيف الذي ينساب بهدوء إلى الروح، حاملاً معه عبق الأندلس، ودفء التراث المغربي، وأناقة الموسيقى المعاصرة.
تُعد نبيلة معن واحدة من أبرز الأصوات النسائية في الساحة الفنية المغربية، إذ استطاعت أن تبني مساراً خاصاً بها بعيداً عن الضجيج، معتمدة على الموهبة والثقافة الموسيقية والوفاء للتراث المغربي. فمن مدينة فاس، التي تختزن إرثاً موسيقياً وروحياً عريقاً، انطلقت رحلتها الفنية لتصوغ مشروعاً إبداعياً يمزج بين الأصالة والتجديد، ويعيد تقديم الكنوز الموسيقية المغربية من فن الملحون إلى الأندلسيات والصوفية بروح معاصرة تجعلها قريبة من مختلف الأجيال.
ما يميز نبيلة معن ليس جمال صوتها فقط، بل قدرتها على تحويل الأغنية إلى فضاء للحفاظ على الذاكرة الجماعية، إذ ظلت وفية لتراث المغرب الموسيقي، تستلهم منه أعمالها وتمنحه حياة جديدة دون أن تفقده أصالته أو عمقه.
ومن بين خصوصيات تجربتها الفنية ذلك التناغم الجميل الذي يجمعها بزوجها الموسيقي وعازف القيثارة طارق هلال، حيث يشكلان معاً ثنائياً فنياً مميزاً تتقاطع فيه حساسية الصوت مع سحر الأوتار. وعلى الخشبة لا تحضر نبيلة معن وحدها، بل يرافقها دائماً هذا الانسجام الإبداعي الذي يجعل من كل عرض رحلة موسيقية آسرة، يتحاور فيها صوتها الملائكي مع عزفه المرهف، وكأنهما ينسجان معاً خيوط أغنية واحدة من الحلم والمحبة والجمال.
وخلال مسيرتها، رسخت نبيلة معن مكانتها كفنانة تؤمن بأن الموسيقى جسر بين الثقافات والأزمنة، لذلك لم يكن غريباً أن تحظى أعمالها بتقدير جمهور واسع داخل المغرب وخارجه، وأن تصبح إحدى الوجوه الفنية التي تمثل المغرب في المحافل الثقافية الكبرى.
وسيكون لجمهور مدينة مراكش وزوارها موعد جديد مع هذا الصوت الاستثنائي خلال فعاليات الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، يوم السبت 04 يوليوز، حيث تحل ضيفة على تظاهرة تحتفي هذا العام بشعار “الفنون الشعبية.. كنوز الأمس واليوم”. وهو شعار ينسجم تماماً مع مسار فنانة جعلت من صون التراث وإعادة اكتشافه رسالة فنية وإنسانية.
نبيلة معن ليست مجرد مطربة تؤدي الأغاني، بل فنانة تحمل مشروعاً جمالياً متكاملاً، تجعل من كل ظهور لها احتفاءً بالهوية المغربية، ومن كل أغنية جسراً يعبر بالمستمع نحو عوالم من الرقة والحنين والجمال. لذلك، كلما اعتلت الخشبة، بدا الأمر وكأنها تدعو جمهورها إلى رحلة حالمة بين فاس ومراكش والأندلس، رحلة عنوانها الإبداع، ووقودها صوت لا يشبه إلا نفسه.



