عبد المنعم الهراق… بائع الكتب الذي صنعته القراءة

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

بعض الأشخاص لا يلفتون انتباهك منذ اللقاء الأول، بل يتسللون إليك بهدوء، صفحة بعد أخرى، وحكاية بعد أخرى، إلى أن تكتشف أنك أمام تجربة إنسانية استثنائية.
هكذا كان تعارفي مع السيد عبد المنعم الهراق.
عرفته اسماً قبل أن أعرفه شخصاً. كنت أتابع بعض ما ينشره من إصدارات في مجموعة الواتساب “كتب استثنائية”، قبل أن تجمعني به مكتبة الألفية بالرباط، ذلك الفضاء الذي يستقبل فيه الكتب الجديدة ويودعها بين أيدي القراء، باعتباره المسؤول عن الجناح المخصص للكتاب العربي منذ 1990.
هناك أيضاً وضعت نسخاً من كتابي “أكتب لأبقى”، دون أن أتصور أنني سأكتشف خلف مهنة بائع الكتب حكاية تستحق أن تُروى.
المنعطف الحقيقي كان حين اقتنيت من المكتبة نسخة موقعة من الجزء الثالث لسلسلته “يوميات بائع كتب”.
منذ الصفحات الأولى أدركت أنني لا أقرأ يوميات رجل يبيع الكتب، بل أقرأ يوميات رجل يعيش بينها ويعيش بها. فالمكتبة عنده ليست رفوفاً وعناوين، بل مسرحاً يومياً تعبره وجوه وقصص وأسئلة ومصائر مختلفة.
في هذه اليوميات لا يوثق عبد المنعم الهراق لحياة الكتب فقط، بل يؤرخ أيضاً للعلاقة الخفية التي تنشأ بين الكتاب وقارئه، وبين المكتبة وزوارها. يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تمر عادة دون انتباه، ويحولها إلى مشاهد إنسانية دافئة تكشف الكثير عن الناس وعن زمن القراءة نفسه، يدون وينقل بعض منها على صفحته بالفايسبوك.
بذلك، يبدو عبد المنعم الهراق واحداً من أولئك الذين اختاروا أن يظلوا أوفياء لعالم الورق. لا يبيع الكتب فحسب، بل يحرس ذاكرة القراءة ويؤمن بأن للكتاب حياةً تتجاوز صفحاته. لذلك لا عجب أن تنبض يومياته بكل هذا الشغف، وأن ينساب منها ذلك الحب العميق للكلمة وللكائنات الورقية التي تمنح الكتاب حياة ومعنى إضافيا.
ولعل ما يثير الإعجاب في مساره أن رحلته الدراسية توقفت عند المرحلة الإعدادية. غير أن ما لم تمنحه له المدرسة منحته له الكتب. فقد صنع بنفسه ثقافة واسعة ومعرفة عميقة، ليصبح ذاكرة متنقلة ودليلاً حياً على أن المعرفة ليست دائماً ابنة الشهادات، بل ابنة الفضول والمثابرة والعشق الحقيقي للتعلم والقراءة..
ومن يتابع ما ينشره يومياً من أخبار الإصدارات الجديدة، أو ما يتقاسمه على صفحاته من حكايات الكتب وعوالمها، يدرك سريعاً أن الأمر يتجاوز حدود المهنة. فالرجل لا يبيع الكتب فقط، بل يبني حولها جسوراً من العلاقات الإنسانية، مع زوار المكتبة، مغاربة وأجانب، ولا تنتهي الحكاية عند لحظة البيع والشراء؛ بل تبدأ منها. يصغي إلى الناس، يتبادل معهم الأفكار، ويحفظ شيئاً من أسرارهم العابرة، حتى يبدو أحياناً أشبه بأمين ذاكرة صغيرة تمر من أمامه كل يوم.
ولعل هذه القدرة النادرة على الإصغاء هي ما يجعل عبد المنعم الهراق يلتقط دائماً الإنسان المختبئ خلف كل كتاب، والحكاية الكامنة خلف كل قارئ.



