انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

خديجة شاكر:لطيفة اجبابدي اللطف والدعة، الصلابة والقوة، البذل والعطاء

بسمة نسائية: عزيزة حلاق

صور: محمد بلميلود

أمس، لم يكن تكريم لطيفة الجبابدي مجرد احتفاء بسيرة امرأة، بل كان احتفاءً بجزء من ذاكرة المغرب الحقوقية والسياسية والإنسانية. كان لحظة اعتراف مستحقة بمسار استثنائي لامرأة جمعت بين قوة الموقف ونبل الروح، بين شجاعة المناضلة ودفء الإنسانة، وبين صلابة المدافعة عن القضايا العادلة وابتسامة المرأة التي لم تفسدها قسوة المعارك ولا خيبات الطريق.

لطيفة الجبابدي ليست مجرد اسم في الذاكرة الحقوقية المغربية، بل واحدة من النساء اللواتي كتبن جزءًا من تاريخ هذا الوطن بصلابة نادرة وكلفة شخصية باهظة. امرأة خبرت الاعتقال، وواجهت سوط السجان، وعبرت سنوات القمع وهي أكثر إيمانًا بالحرية والعدالة والكرامة. لم تنكسرها التجارب القاسية، بل زادتها اقتناعًا بأن النضال الحقيقي هو ذاك الذي يُدفع ثمنه من العمر والروح، لا من الشعارات فقط.

ويكفي هذه السيدة فخرًا أن التاريخ السياسي والحقوقي المغربي يعترف بأن محطات كبرى ومفصلية حملت بصمتها الواضحة، وكانت حاضرة فيها بقوة الرؤية والإرادة. فمن عريضة المليون توقيع للمطالبة بتغيير مدونة الأحوال الشخصية، التي شكلت لحظة فارقة في مسار حقوق النساء بالمغرب، إلى معاركها داخل هيئة الإنصاف والمصالحة، ظلت لطيفة الجبابدي صوتًا صلبًا يدافع عن الإنصاف الحقيقي، لا الرمزي فقط.

ويُحسب للطيفة الجبابدي أيضًا أنها كانت الصوت النسائي الوحيد داخل هيئة الإنصاف والمصالحة، حيث خاضت واحدة من أكثر معاركها شجاعة وإيمانًا بالعدالة. ففي الوقت الذي كان فيه كثيرون يعتبرون ملف تعويض النساء من ذوي حقوق ضحايا الاعتقال التعسفي مسألة ثانوية أو تفصيلًا هامشيًا، انتفضت بقوة ضد اعتماد منطق “للذكر مثل حظ الأنثيين” في التعويضات، ورفضت أن يُعاد إنتاج التمييز نفسه داخل مؤسسة وُجدت أصلًا لإنصاف الضحايا ورد الاعتبار لهم.

كانت تدرك، بوعي المناضلة العميق وخبرتها الطويلة مع الألم الإنساني، أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية أو منقوصة، وأن إنصاف النساء ليس تفصيلًا إضافيًا، بل جوهر أي مصالحة حقيقية مع الماضي. لذلك دافعت بإصرار حتى تستفيد النساء، مثل الرجال تمامًا، من التعويضات وحقوق جبر الضرر، معتبرة أن الكرامة لا تُقسَّم، وأن الوطن الذي يسعى إلى الإنصاف لا يمكنه أن يميز بين أبنائه وبناته في الحق والاعتراف والعدالة.

ومن خلال شهادات صديقاتها ورفاق دربها، اقتربنا أكثر من الوجه الإنساني العميق للطيفة الجبابدي، كما عرفها الذين تقاسموا معها سنوات الحلم والعمل والنضال. نقترب من امرأة لم تسكن فقط فضاءات الدفاع عن الحقوق، بل سكنت أيضًا قلوب من عرفوها، بمحبتها الكبيرة، وإنصاتها، ووفائها الإنساني النادر.

كل الشكر لـ مؤسسة الفقيه التطواني على هذا الاحتفاء الأنيق، وهذه الالتفاتة الراقية التي تليق بمقام امرأة يجتمع حولها التقدير والاحترام والمحبة.

وفي ركن “أصواتهن”، نعطي الكلمة في هذه الورقة، للأستاذة خديجة شاكر سيدة الربوة، التي جمعتها بالمناضلة لطيفة الجبابدي سنوات طويلة من العمل المشترك والإيمان بنفس القضايا. ومن خلالها، نقترب أكثر من تفاصيل امرأة صنعت أثرها بهدوء الكبار.

لطيفة اجبابدي

اللطف والدعة، الصلابة والقوة، البذل والعطاء

السيد رئيس مؤسسة الفقيه التطواني، السيدات والسادة

اسمحوا لي أن أعبر لكم عن عميق امتناني لدعوتكم الكريمة في هذه المناسبة الهامة، والامتنان موصول للصديقة الغالية لطيفة على إتاحة هذه الفرصة الثمينة أمامي، لأشارككم هذا الاحتفاء المستحق بها وبعملها الدؤوب المدني السياسي والحقوقي.

السيدات والسادة

لا يمكن الحديث عن لطيفة، إلا تحت ظلال محبة الوطن الوارفة، لا يمكن سرد سيرة لطيفة إلا باستحضار عمق هذه المحبة التي زُرعت ونمت بسرعة وبقوة في وجدانها طيلة مسارها ولما تزل راسخة ومتجذرة. فمحبة الوطن هي محركها الأول في كل التزاماتها المبدئية، وفي كل مبادراتها المدنية التاريخية، وبوصلة تعاملها مع جميع رفيقاتها ورفاقها. ولطيفة وفية لهذه المحبة ومخلصة لها دوما مهما كانت الأحوال والظروف. سواء أأسبغت عليها تلك المحبة رضاها بالتقدير وبالتكريم والعرفان، أو مهما بلغت حدة التضحيات التي تتطلبها، ومهما كانت شدة المعاناة والآلام التي تفرضها أحياناً قوة تلك المحبة.

عرفت لطيفة، من بعيد. في أواسط السبعينيات من القرن الماضي. عرفتها اسماً يتردد بيننا في مجالسنا الخاصة جدا، بحسرة وأسى، وبخوف وترقب. عرفتها اسما من بين أسماء أخرى لشابات يافعات يانعات في مقتبل العمر، كانت الحياة تفتح أمامهن أذرعها بكل التفاؤل الممكن وبكل الآمال الشاسعة. لكن كل ذلك الأفق المفتوح اغتصب وسُرق ثم أقفل تماماً، ليتحول إلى مدى مجهول وغامض، إلى قيود ثقيلة، وإهانات يومية في ظلمة الاعتقال وسراديب السجون.

ولعلكم تتذكرون، مثلي، كيف نُسجت الحكايات المحبوكة حول تلك المجموعة من النساء “المغامرات” في السياسة وبالسياسة، كانت حكايات مزيِّفة ومغرضة يشوبها احتقار مَشين لقدراتهن، وتصنيف مُهين لإمكاناتهن، وقد ترجم ذلك بالفعل الملموس داخل المخافر وفي السجون، فبالإضافة إلى التنكيل والإهانة والتعذيب؛ عوملت المعتقلات السياسيات بدونية مقيتة، فاستُكثرت عليهن أنوثتهن، هويتهن، وحرمن من أسمائهن كما حرمن من حريتهن، فاختفى اسم لطيفة كما اختفى اسم فاطنة واسم ربيعة واختفت أسماء جميع رفيقاتهن في الدهاليز الرطبة الباردة، لتحل محلها أسماء مثل: سعيد، رشيد، الطويل، الدكالي

لكن، وبالرغم من عمق هذا الجرح الدامي، فإنه لم يخدش اسم لطيفة ولا كيانها، ورغم استمراره بأشكال وصيغ متعددة، لمدة غير هيّنة، فإنه لم يلوث صفاء محبتها للوطن؛ ورغم نصله الحاد، فإن اسمها ظلّ يحمل معانيه العميقة بكل وهجها وضيائها، كما استمرت لطيفة تحمل منه الكثير في حياتها اليومية وفي علاقاتها الإنسانية. فهي اللطيفة الرؤوف الوديعة المعطاء،

وهكذا عرفتها عن قرب مطلع الثمانينيات، ونحن بصدد صياغة حلم مشترك تتوق إليه كل نساء العالم: تحقيق الحرية والمساواة ونيل الكرامة الإنسانية. عرفتها قريبة مني ومن جميع نساء المغرب ونحن نسعى إلى إثبات الوجود، إلى أخذ الكلمة وإلى التفكير في القضايا الشائكة التي لم يزدها تعنت المجتمع إلا صعوبة وإشكالا. وكانت وسيلتنا إلى ذلك: جريدة 8 مارس. نكتب، ننشر أفكارنا، ونعمم أفكار التقدم وتجارب النضال النسائي عبر العالم، نكسر الطابوهات ونبني البدائل ونقترح الحلول… لا نملك إلا أقلامَنا أصواتُنا، وكنا مع كل عدد جديد نخوض معركة غير مسبوقة. وفي خضم ذلك الحماس، كانت لطيفة، رئيسة تحرير الجريدة، تزرع الأمل فينا بكل إصرار، وتطرد شبح اليأس كلما تربص بنا. فاكتشفت فيها القائدة الصارمة، الموجِّهة الحاسمة، تُمسك في ذلك بأدواتها الصلبة القوية وهي المعرفة والوضوح النظري والإيمان بالمبادئ الإنسانية النبيلة، وكانت سلاحَها وعتادَها في حرب لا هوادة فيها.

ولأن الأمواج المتلاطمة كانت قوية وعاتية، فإن لطيفة ربّان “ربانة” تحكم القيادة وتعرف أسرار الهيجان المدمر، ومكامن الهجمات التي كانت تريد الإطاحة بهذا المشروع النسائي التحرري التقدمي المستقل، وكانت هي وعائشة لخماس تشكلان، أمامي، مثالا للمقاومة والصمود أمام الأعاصير.

بقيت لطيفة ولا تزال، على العهد، وعلى طبيعتها، وبعد هذه التجربة التي كانت بالنسبة لي وللكثيرات مدرسة متفردة، لا تزال لطيفة حاضرة في كل محطات التغيير أو الإصلاح، بثباتها على مبادئها، بعطائها وسخائها الإنساني، بمبادراتها المدنية، بإصرارها على فتح الآفاق المتجددة، باحتضانها للمشاريع الواعدة، وبوفائها الأصيل للصداقة وللرفقة في المسار المشترك الممتد نحو الحرية والمساواة والعدالة.  

بمثل هذا النموذج المتقد والمضيء، وهذه السيرة الحافلة بالإيمان وبالبذل والسخاء؛ نشبث بمحبة الوطن، بمثل هذه القدوة النبيلة تسري هذه المحبة في وجداننا نحضنها ونسقيها بتجارب شامخة وبحيوات منحت له الكثير من عمرها ومن حياتها ومتعها الخاصة بكل أريحية وكرم، لنروي هذه التجارب الحياتية للأجيال، ونحكيها شهاداتٍ نتركها للتاريخ، ونترك له كتابتها بمداد الاعتزاز والفخر.

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا