انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

نداء من نساء مغربيات

من أجل عدالة أسرية، وعقل وطني متحرر، ومستقبل لا يُؤجَّل

بقلم: ابتسام بلحوشة*

نحن نساء مغربيات، ننتمي إلى هذا الوطن العريق، ونؤمن بأن المغرب، بتاريخ نضاله وإصلاحاته، لا يُبنى إلا بالعدل، وبالعقل، وبصيانة كرامة الإنسان، نساءً ورجالًا، أطفالًا وكهولًا.

إن انخراطنا في الشأن العام ليس خروجًا عن الثوابت، ولا تمردًا على القيم، بل هو امتداد طبيعي لمسار إصلاحي وطني لطالما اختاره المغرب، دولةً ومجتمعًا، منذ فجر الاستقلال، حين كان الإصلاح فعل شجاعة ومسؤولية، لا خضوعًا للخوف أو للمزايدات.

لقد تابعنا، بقلق عميق، ما رافق النقاش حول التعديلات المنتظرة على مدونة الأحوال الشخصية، وهي تعديلات كان يُفترض أن تعزز حماية النساء والأطفال، وتُقلّص من مظاهر الظلم والهشاشة، وتُقوّي الأسرة المغربية بدل إضعافها.

غير أن هذا النقاش انزلق، في جزء كبير منه، من حوار مجتمعي وقانوني مسؤول، إلى خطاب تخويف وابتزاز باسم الدين، تُستعمل فيه المغالطات، ويُلوَّح فيه بالفتنة، وكأن المطالبة بالعدل تهديد للاستقرار، وكأن إنصاف النساء خطر على المجتمع.

الأكثر إيلامًا، ليس فقط هذا الخطاب، بل ما ترتب عنه من تأجيل لطرح هذه التعديلات في البرلمان، وكأن حقوق النساء والأطفال ملفات ثانوية يمكن ترحيلها، وكأن الزمن الإصلاحي يجب أن يتوقف انتظارًا لتغيير عقليات ترفض أي اجتهاد، وأي قراءة مقاصدية منفتحة، وأي تطور تشريعي يستجيب لتحولات المجتمع المغربي.

إننا نطرح، من موقع المواطنة والمسؤولية، أسئلة صريحة: هل يُعقل أن تُعلَّق حقوق فئات واسعة من المجتمع تحت ضغط التخويف؟

هل يصبح التلويح بالفتنة أداة لتعطيل الإصلاح بدل أن يكون القانون صمام الأمان؟

وهل يُعاقَب المجتمع بأكمله لأن بعض الأصوات ترفض النقاش وتُقدّس الجمود؟

إننا نؤمن، انطلاقًا من مرجعيتنا الوطنية، بأن الإسلام لم يكن يومًا عائقًا أمام العدل، وأن الاجتهاد كان دائمًا جزءًا أصيلًا من تاريخ هذه الأمة، وأن حماية الأسرة لا تكون بتكريس الظلم داخلها، بل بضمان التوازن والكرامة لجميع أفرادها.

ومن موقعنا كنساء فاعلات في المجتمع، ومن بيننا طبيبات ومربيات وأستاذات، نؤكد أن أي إصلاح تشريعي، مهما بلغت أهميته، يظل ناقص الأثر ما لم يواكبه بناء حقيقي لمنظومة تعليمية تُنمّي العقل الناقد والتفكير العلمي المنهجي، وتُعلّم أبناءنا طرح الأسئلة، وتحليل الخطاب، والتمييز بين القناعة الدينية الصادقة واستعمال الدين أداة للتخويف والهيمنة. فمجتمع يُربّى على العقل والمعرفة هو مجتمع متوازن، غير قابل للاستلاب، ولا للتلاعب، ولا للابتزاز باسم المقدّس، وقادر على حماية اختياراته الإصلاحية بثقة ووعي.

إننا نؤمن بأن الحقوق لا تُمنح عندما يرضى الجميع، بل تُشرَّع لحماية الأضعف، وأن التأجيل المتكرر للإصلاحات يُعمّق فقدان الثقة ويُغذّي الإحساس بالإقصاء، بدل أن يُحصّن المجتمع.

إن المغرب اليوم في حاجة إلى شجاعة سياسية هادئة، لا تخاف من النقاش، ولا ترضخ للابتزاز، ولا تُقايض الاستقرار بالعدل. فالتاريخ علّمنا أن العدل هو أساس الاستقرار الحقيقي، وأن بناء المستقبل لا يكون بتجميد الحاضر.

إن هذا النداء ليس ضد أحد، بل من أجل المغرب:

من أجل أسرة عادلة،

ومن أجل نساء مواطنات كاملات الحقوق،

ومن أجل أطفال محميين بالقانون،

ومن أجل دولة قوية بعقلها، لا بخوفها.

نحن نساء مغربيات،

نطالب بإصلاح لا يُؤجَّل،

وبحوار لا يُخوَّن،

وبوطن يسير إلى الأمام بثقة،

لا تحت وطأة التهديد.

*طبيبة وفاعلة جمعوية

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا