سيدتي البرلمانية: كوني جميلة.. لكن لا تصمتي

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

ليس العيب أن تكون في البرلمان نساء شابات وجميلات؛ فالجمال لا ينتقص من الكفاءة، وليس تهمة تستوجب التبرير. والمرأة لا تحتاج إلى الدفاع عن حقها في الحضور السياسي بسبب مظهرها. العيب أن نحتفي بارتفاع عدد النساء في المؤسسات المنتخبة، ثم نكتشف أن بعض من وصلن إليها لم يستعددن بعد لتحمل مسؤولية التمثيل السياسي، بما تقتضيه من وعي وموقف وقدرة على التعبير.
لقد دافعنا، وما زلنا ندافع، عن المناصفة في البرلمان وعن حق النساء في الوصول إلى مراكز القرار، لا لتزيين المشهد الديمقراطي، بل إيمانًا بأن ديمقراطية تقصي نصف المجتمع أو تحد من مشاركته لا يمكن أن تكون مكتملة.
واليوم، وإن كنا لا نزال بعيدين عن تحقيق المناصفة، فإن وصول 107 برلمانيات من أصل 395 مقعدًا يمثل خطوة إلى الأمام في تعزيز التمثيلية النسائية. ومع وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، في سابقة تاريخية بالمغرب، يصبح من المشروع أن نتجاوز الاحتفاء بالأرقام والرمزية إلى سؤال جوهري: ماذا ننتظر من النساء حين يصلن إلى مواقع المسؤولية؟
فالرمزية لا تعفي من المساءلة، ولا تمنح أحدًا شيكًا على بياض. المعيار الحقيقي ليس جنس من يتولى المنصب، بل ما يقدمه، ومدى وفائه بالتزاماته، وقدرته على الدفاع عن الحقوق وتحسين حياة المواطنين وتحمل مسؤولية القرارات والنتائج.
قبل أيام، كان يكفي أن يُطرح على بعض البرلمانيات الشابات سؤال عن رأيهن في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، حتى يتحول طلب التصريح إلى رحلة بحث عن إجابة، تتخللها محاولات للتهرب وابتسامات بلهاء لا تقول شيئًا. لم يكن المطلوب تحليلًا سياسيًا عميقًا، بل رأيًا يعكس الحد الأدنى من الاستعداد لمناقشة حدث يقع في صميم اختصاص المؤسسة التي يمثلنها.
هنا ينبغي أن يتوقف النقاش. فالمقعد البرلماني ليس امتيازًا شخصيًا ولا مساحة للحضور في الصور، بل مسؤولية تقتضي الاستعداد للنقاش، والاستقلالية في إبداء الرأي، والشجاعة في مواجهة الأسئلة، بما فيها المحرجة.
لسنا في حاجة إلى نائبات يؤثثن المشهد بالصمت والابتسام والتصفيق، بل إلى نساء يشاركن في صياغة التشريعات، ويمارسن الرقابة، ويدافعن عن اختياراتهن، ويختلفن حين يستدعي الأمر الاختلاف، بدل الاكتفاء بمسايرة المواقف الحزبية أو البحث عن الظهور الإعلامي.
ومن المؤسف أن يتحول النقاش، في أول يوم من افتتاح البرلمان الجديد، من مضامين الخطاب الملكي ومواقف البرلمانيات إلى التغزل بجمالهن. وهنا تتحمل الصحافة أيضًا مسؤوليتها؛ إذ لا ينبغي أن تختزل النائبات في صورهن، أو تجعل المظهر عنوانًا لتغطية يفترض أن تنشغل بالأفكار والمواقف والأداء السياسي.
لا يعني ذلك إخضاع النساء لمعايير أشد قسوة من الرجال، أو تحميل كل برلمانية مسؤولية إثبات أهلية جنسها للسياسة. ففشل رجل في أداء مهمته لا يدين الرجال جميعًا، كما أن تعثر بعض النساء لا ينتقص من حق النساء في المشاركة والتمثيل. ولنا أن نفخر بنساء وصلن إلى مقاعدهن عن جدارة واستحقاق، وننتظر منهن حضورًا فاعلًا ومواقف تستحق التقدير.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا تتحول التمثيلية النسائية إلى حصانة من النقد. فالدفاع عن حقوق النساء لا يعني التغاضي عن ضعف الأداء، والمساواة لا تعني إعفاء أحد من المعايير نفسها.
لطالما رُوّج لمقولة «كوني جميلة واصمتي»، وكأن جمال المرأة يتعارض مع عقلها، أو أن أناقتها تمنعها من امتلاك فكر وموقف ورؤية. والحقيقة أن المرأة ليست مطالبة بالاختيار بين جمالها وكفاءتها، ولا بين حضورها الأنثوي وصوتها السياسي. من حقها أن تعتني بمظهرها كما تشاء، وأن تتحدث وتناقش وتعارض وتقترح، دون أن تُختزل في صورتها.
هكذا تنقلب دلالة المقولة إلى نقيضها: «كوني جميلة ولا تصمتي». ليست مجرد عبارة جذابة، بل رسالة تؤكد حق المرأة في أن تكون ذاتها، بكل ما تختاره لنفسها، دون أن تتنازل عن صوتها أو تسمح لأحد بأن يجعل من صورتها بديلًا عن أفكارها ومواقفها.
وبالمناسبة، فهذا هو الشعار الذي اختارته “بسمة نسائية” منذ انطلاقها: “كوني جميلة ولا تصمتي”. لأن المرأة ليست صورة جميلة بلا معنى، بل عقل يفكر، وصوت يعبر، وموقف يصنع الفرق.



