العالم مقلوب.. مناخ يهدد، وحروب تقلق، وغلاء يطارد المواطن.. ماذا ينتظر المغاربة؟

حديث بسمة / عزيزة حلاق
يبدو أن العالم لم يعد يعرف من أين تأتيه المفاجآت. مناخ يزداد اضطراباً، وكوارث طبيعية تتسع مخاطرها، وتوترات عسكرية وجيوسياسية تثير القلق، فيما يواصل غلاء المعيشة مطاردة المواطنين في مختلف أنحاء العالم.
ما نشهده اليوم لم يعد مجرد تحذيرات متفرقة، بل تحولاً في سياسات الاستعداد للطوارئ لدى عدد من الدول، خصوصاً في أوروبا، حيث باتت الحكومات تتعامل بجدية أكبر مع احتمالات الأزمات المتداخلة، من الكوارث الطبيعية إلى الحروب والهجمات السيبرانية، وما قد يترتب عنها من انقطاع للكهرباء والماء والاتصالات وتعطل الخدمات الأساسية، خاصة الأنترنيت.
وفي هذا السياق، لم تعد دعوات الاحتفاظ بمخزون منزلي من الغذاء ومياه الشرب مجرد نصائح احترازية عابرة، بل أصبحت جزءاً من خطط رسمية للاستعداد لأيام قد تتعطل فيها مظاهر الحياة اليومية.
ولعل ما أعاد هذا الموضوع إلى واجهة الاهتمام هو إعلان المفوضية الأوروبية، يوم 3 نونبر الجاري، عن إرشادات جديدة لتعزيز استعداد المواطنين والمجتمعات لمواجهة الأزمات، تقوم، من بين إجراءات أخرى، على تمكين الأسر من تدبير حاجاتها الأساسية خلال الساعات الـ72 الأولى من أي طارئ، إلى حين تعبئة خدمات الإغاثة والتدخل.
وتأتي هذه التوصيات في سياق توجه أوروبي أوسع، إذ دعت دول عديدة مواطنيها إلى الاحتفاظ بمخزون من الغذاء والماء والاحتياجات الأساسية، وحددت مدد الاستعداد الموصى بها بحسب كل دولة: السويد والنرويج أسبوع كامل، ألمانيا نحو عشرة أيام، إستونيا أسبوع، لاتفيا من ثلاثة إلى سبعة أيام، وفرنسا 72 ساعة، فيما توصي سويسرا بمخزون منزلي للطوارئ يشمل الغذاء ومياه الشرب.
هل يتعلق الأمر بالاستعداد لحرب محتملة؟ أم بمخاوف من هجمات سيبرانية قد تعطل شبكات الكهرباء والاتصالات؟ أم أن الحكومات الأوروبية باتت تدرك أن العالم أصبح أكثر عرضة لتداخل الأزمات، من الكوارث الطبيعية إلى الاضطرابات العسكرية والاقتصادية؟
لا توجد معطيات رسمية تثبت أن حرباً نووية وشيكة، كما أن الدعوة إلى تخزين الماء والغذاء لا تعني بالضرورة توقع اندلاع حرب. لكن إدراج سيناريوهات متعددة ضمن خطط الاستعداد المدني يكشف عن إدراك متزايد لهشاشة الأنظمة التي تقوم عليها الحياة الحديثة، وعن الحاجة إلى الاستعداد لما قد يحدث، بدل انتظار وقوعه.
النينيو.. إنذار من قلب المحيط الهادئ
وبالتوازي مع هذه المخاوف، تتجه الأنظار إلى ظاهرة مناخية طبيعية تعرف باسم «النينيو» (El Niño)، بعدما أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية اشتدادها، مع توقع استمرارها إلى فبراير 2027، واحتمال بلوغها مستويات قوية جداً.
ترتبط هذه الظاهرة بارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤثر في أنماط الأمطار والحرارة عبر مناطق واسعة من العالم، بما يرفع احتمالات موجات الحر والجفاف والفيضانات، وإن كانت آثارها تختلف من منطقة إلى أخرى، ولا تعني بالضرورة وقوع الظواهر نفسها في جميع البلدان.
إنها مواجهة أخرى مع الطبيعة، لا تتوقف تداعياتها عند حدود الطقس، بل تمتد إلى الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والاقتصاد ومعيشة السكان. فحين يضطرب المناخ، تتأثر المحاصيل والإنتاج الزراعي، وتزداد الضغوط على الموارد المائية، وتصبح كلفة الغذاء أكثر ارتباطاً بالتقلبات المناخية.
والأكثر إثارة للانتباه أن هذه الصدمات الخارجية، سواء تعلق الأمر بارتفاع أسعار الطاقة، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو التغيرات المناخية، لا تبقى حبيسة حدود الدول التي تنشأ فيها، بل تنتقل آثارها عبر الاقتصاد العالمي، لتجد طريقها في النهاية إلى جيب المواطن.
وسط هذه الصورة العالمية المضطربة، لا يحتاج المواطن المغربي إلى كثير من الشرح ليدرك معنى الأزمات المتراكمة. فهو يعيش أصلاً تحت ضغط غلاء المعيشة، وارتفاع كلفة المحروقات، وتزايد أعباء النقل والمواد الغذائية، في وقت لا تواكب فيه القدرة الشرائية بالضرورة الارتفاع المتواصل في تكاليف الحياة.
والارتفاع الأخير في أسعار المحروقات مع بداية هذا الشهر يثير مخاوف من موجة غلاء جديدة، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على النقل وأسعار السلع والخدمات. وهي مخاوف تتضاعف حين يقف المواطن أمام رفوف الأسواق، أو يؤدي فاتورة الماء والكهرباء، أو يحاول تدبير ميزانية شهرية لم تعد تتسع أصلا لكل الالتزامات.
فإذا كانت الدول الأوروبية تستعد لاحتمالات تعطل الخدمات الأساسية، وإذا كان العالم يترقب اضطرابات مناخية قد تؤثر في الإنتاج الزراعي والموارد المائية، فماذا عن استعداداتنا نحن؟
لا يتعلق الأمر بإثارة الهلع، ولا بمطالبة الأسر المغربية بتكديس المواد الغذائية، وإنما بطرح أسئلة مشروعة حول جاهزية المؤسسات وقدرتها على مواجهة الأزمات المتزامنة، وضمان استمرار التزود بالماء والكهرباء والمواد الأساسية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة من تداعيات أي اضطراب واسع.
هل تتوفر لدينا خطط واضحة للتعامل مع انقطاع واسع للكهرباء أو الاتصالات؟ ما مدى جاهزية منظومة الإنذار والتدخل في حالات الطوارئ؟ هل نملك مخزونات استراتيجية كافية لضمان استقرار التموين؟ وكيف يمكن حماية القدرة الشرائية إذا امتدت الصدمات الدولية إلى أسعار الطاقة والغذاء
ثم، ما الذي يعرفه المواطن عن هذه الخطط؟ وأين يجد المعلومة الرسمية الدقيقة التي تساعده على فهم المخاطر المحتملة والتصرف في حالات الطوارئ؟ فالتواصل مع المواطنين ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جزء أساسي من سياسة الوقاية والاستعداد.
أسئلة نطرحها في انتظار إجابات واضحة، لا تزيد منسوب القلق، بل تعزز الثقة وتطمئن المواطنين.
فطمأنة الناس لا تكون بالشعارات، ولا بالتقليل من حجم التحديات، وإنما بالمعلومة الدقيقة والشفافية والسياسات الوقائية والاستعداد المسبق. لأن الأزمات قد تأتي من خارج الحدود، لكن مسؤولية حماية المواطنين والاستعداد لتداعياتها تبدأ من الداخل.



