انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
اصواتهن

هل يجب إعدام شهرزاد؟

بسمة نسائية/ أصواتهن

هل ينبغي إعدام شهرزاد؟ سؤال صادم اختير عنوانًا لعرض أدبي مسرحي استثنائي، احتضنته المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط، يوم الأحد 11 أكتوبر، في اختتام الدورة السابعة من مهرجان “الآداب المرتحلة” تحت شعار “العالم بأقلام نسائية”، الذي جمع كاتبات من المغرب وتونس ولبنان وفرنسا وسويسرا وتركيا ومارتينيك وكندا.

لم يكن العرض مجرد استعادة لشخصية شهرزاد، تلك المرأة التي سكنت الذاكرة الجماعية عبر حكايات “ألف ليلة وليلة”، بل كان دعوة إلى محاكمتها من جديد، وفتح ملف علاقتها بالسلطة الذكورية، وطرح أسئلة ظلت الحكاية التقليدية تؤجلها أو تتجاوزها.

في محكمة رمزية، توزعت الأدوار بين المدعيات العامات والقاضيات والمتهمات والشاهدات، بمشاركة أربع عشرة كاتبة من القارات الخمس، في تجربة تمزج المسرح بالأدب والنقاش الفكري، وتحول التراث إلى مساحة لمواجهة الأفكار السائدة وإعادة النظر في الموروث. وترأست الجلسة الصحافية الفرنسية فريديريك لانتييري، المعروفة بتقديم البرنامج التلفزيوني:

«Faites entrer l’accusé» على القناة الثانية الفرنسية.

لكن، لماذا تُحاكم شهرزاد اليوم؟ وما الذي يمكن أن يُؤخذ على امرأة واجهت الموت بالحكاية، ونجحت في تأجيله ليلة بعد أخرى؟

تذهب بعض القراءات النسائية المعاصرة إلى أن شهرزاد، على الرغم من ذكائها وشجاعتها، لم تواجه النظام الذكوري من جذوره، ولم تفضح عنف الملك بصورة مباشرة، بل اختارت التكيف مع سلطته، وراهنت على تغيير الرجل من الداخل بدلًا من إسقاط سلطته. ووفق هذا المنظور، دخلت لعبة الحاكم من دون أن تطعن في قواعدها، وظلت تتحرك داخل نظام يمنح رجلًا واحدًا سلطة الحياة والموت على النساء.

والأكثر إثارة للجدل أن الحكاية تنتهي بتحويل قاتل النساء إلى زوج محب وأب، وكأن الحكي قادر على محو الجرائم، وكأن تحول الجلاد يكفي لإغلاق ملف الضحايا. هنا يستيقظ سؤال العدالة: أين حق النساء اللواتي قُتلن؟ وهل يمكن للحب أن يعفي القاتل من المسؤولية، أو أن يجعل الغفران بديلًا عن المحاسبة.

إنها قراءة لا تكتفي بالاحتفاء بذكاء شهرزاد، بل تضعها أمام مسؤولية أخلاقية ورمزية، وتختبر حدود قدرتها على التغيير. وهي، في الوقت نفسه، تعيدنا إلى سؤال أوسع: هل ينبغي أن نحاكم النساء على اختياراتهن في مواجهة السلطة، أم أن المحاكمة الحقيقية يجب أن تتجه أولًا إلى النظام الذي وضعهن أمام خيارات قاسية؟

فكم من امرأة اضطرت، عبر التاريخ، إلى التفاوض مع سلطة ظالمة كي تحمي نفسها أو أسرتها؟ وكم من امرأة نجحت في فتح ثغرة داخل نظام مغلق، من دون أن تتمكن من هدم جدرانه؟ وهل نطلب من النساء أن يكنّ بطلات خارقات، يواجهن البنى الاجتماعية والسياسية وحدهن، ثم نحاكمهن لأنهن اخترن طريقًا أقل كلفة وأكثر قابلية للحياة؟

من هنا، تتجاوز المسرحية حدود شخصية تراثية لتلامس قضية ما تزال راهنة: العلاقة بين المرأة والسلطة، وبين المقاومة والتكيف، وبين العدالة والغفران، وبين إنقاذ الذات وتحرير الجماعة.

ولعل أهمية هذا اللقاء الثقافي، في اختتام مهرجان «العالم بأقلام نسائية»، لا تكمن فقط في جمع كاتبات من بلدان وثقافات متعددة، بل في تحويل الأدب إلى فضاء للنقاش والاختلاف، وإعادة قراءة الشخصيات التي صنع منها التراث رموزًا ثابتة. فالنساء لم يجتمعن لترديد حكاية محفوظة، بل لإعادة مساءلتها، واختبار ما تخفيه خلف نهاياتها المألوفة.

فالأدب النسائي ليس كتابة عن النساء فحسب، وإنما هو أيضًا حقهن في إعادة قراءة العالم، ومساءلة المسلمات، والاعتراض على النهايات التي يكتبها الآخرون لهن.

وبعد المداولة، أُعطيت الكلمة الفصل للجمهور، الذي أنصف شهرزاد وصوّت بالإجماع:

Shahrazade non coupable

لتعلن رئيسة المحكمة: البراءة لشهرزاد..وترفع الجلسة.

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا