سعاد بنعلي تقدم شهادة قبل الموت بقليل لفاطمة ياسين



بقلم: سعاد بنعلي
“قبل الموت بقليل”.. قراءة أدبية في عوالم الرواية وما تخبئه من أسئلة الحياة والموت.
مقدمة
هل يمكن للكلمة أن تكون خط الدفاع الأخير للإنسان قبل أن يبتلعه العدم؟ وهل تتحول المكاتب الإدارية الباردة إلى زنازين تسحق أرواحنا دون إراقة قطرة دم واحدة؟ هذه التساؤلات الحارقة هي الوقود المحرك لرواية قبل الموت بقليل. تقودنا فاطمة ياسين في رحلة سردية موجعة في منعرجاتها، مستعيرة صرخة محمد شكري الشهيرة: ” قل كلمتك قبل أن تموت” كمنطلق لكسر الصمت حول الاحتضار المعنوي داخل متاهات الإدارة. رواية تكشف الستار عن ذاك الموت البطيء الذي ينخر النفس الإنسانية ليحولها إلى روح هائمة في برزخ الانتظار. رواية ” قبل الموت بقليل” هي رواية مرهقة نفسيا، تجرك جرا إلى سوداوية تفاصيل حياة شاذة، رتيبة، لكنها تصفعك من شدة صدقها.
تتقاطع الرواية مع أدب الهامش والبوح الجريء. إن استدعاء روح محمد شكري في الافتتاحية يكشف عن روح النص المتمردة. الشخصيات هنا، حياة وعبدو، تتحرك في فضاءات محكومة بالعبث والانهزامية، مما يجعل العمل يتقاطع مع الوجودية السوداوية، لكامو وسارتر واغتراب الذات عند كافكا؛ حيث يُحكم على الفرد بخوض معارك خفية ضد منظومات تسلبه إنسانيته.
العنوان والغلاف
ينطلق النص من عتبة فارقة: «قبل الموت بقليل». هذا العنوان ليس مجرد تحديد زمني، بل هو مساحة برزخية تتأرجح فيها الشخوص بين العدم والوجود. الكاتبة لا تتناول الموت الفيزيولوجي، بل ترصد الاحتضار السيكولوجي للإنسان المعاصر. إنه زمن الصرخة الأخيرة، حيث يصبح البوح هو الأداة الوحيدة للمقاومة وإثبات الوجود قبل الصمت الذي يفرضه الفناء.
ألوان لوحة الغلاف نارية ومتوهجة. الأزرق النيلي، الأحمر، البرتقالي، الأصفر، والأسود الدخاني؛ كلها درجات لون اللهب من الاشتعال إلى الانطفاء. إنه الوهج الأخير، وهج الموت قبل الرحيل بقليل. ولعل أبلغ من وصف لحظات الموت بقليل هو ابن سينا حينما شبهه بالشمعة قبل انطفائها، (الوهج الأخير لما قبل الموت)، وبطل روايتنا هو شمعة احترقت من أجل ما تبقى من عمر الوطن، أولم تقفل الرواية ب ” البقية في عمر الوطن”؟
اللغة والسرد والرمزية
تتميز رواية قبل الموت بقليل بهوية بصرية ولغوية خاصة جعلتها تبتعد عن النمط التقليدي للحكي. فاللغة شاعرية حادة تدمج فيها الكاتبة بين لغة ذات نفس شاعري وجداني وبين قسوة المواضيع المطروحة. العبارات قصيرة، مكثفة، وتعتمد على “التشريح السيكولوجي”، حيث تصبح الكلمة أداة لنبش الجراح الداخلية للشخصيات أكثر من كونها مجرد وسيلة لنقل الأحداث. أما تقنية السرد فتتداخل فيها العوالم الداخلية والواقع، والأزمنة عبر استرجاع الذاكرة. فالسرد لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك عبر وعي ولاوعي الشخوص وبين الآني واستدعاءات أزمنة الذاكرة، مما يجعل القارئ يتنقل بين الكوابيس النفسية والواقع الإداري المرير.
تجنبت فاطمة ياسين اللجوء إلى شخصية الراوي العليم الذي يرتب الأحداث، ويحتكر التفسير لتختار الطريق الأصعب عبر صوت الراوي المتكلم من خلال خطوط متوازية ترجمتها أصوات ثلاث: حياة، عبدو وأمينة. خدم هذا النمط السردي بخطوطه المتوازية الرواية بشكل يجعل القارئ يغوص بسلاسة في قضايا تجمعها تيمة الوطن. فالإدارة والجامعة والحزب والجمعية ماهي إلا نماذج مصغرة للوطن.
وظفت الرواية رموزاً دلالية قوية؛ فـالمستشفى/المصحة العقلية ترمز إلى المآل الحتمي للإنسان الصادق النزيه في مجتمع مشوه، و “الموت بقليل” يرمز إلى المساحة الزمنية الفاصلة بين الاستسلام التام للواقع وبين إطلاق الصرخة الأخيرة. لم تكن المصحة العقلية في الرواية مجرد فضاء جغرافي لعلاج المرضى، بل هي معادل موضوعي للمجتمع ككل: العقل مقابل الجنون بحيث تقلب الكاتبة التمثلات؛ فالمجانين الحقيقيون هم أولئك الذين يديرون المنظومة الخارجية بالظلم والشطط، بينما نزلاء المصحة هم الأنقياء الذين رفضوا التكيف مع تشوهات الواقع فآثروا التمرد انسحابا. فالمصحة هي فضاء للحجر النفسي، وترمز الى حالة الحصار التي يعيشها المثقف أو الموظف النزيه الذي يُعزل ويُهمش حتى يُتهم في قواه العقلية لمجرد أنه طالب بالعدالة، أما الإدارة فتتحول من مرفق عمومي إلى رمز للسلطة القائمة على التجبر والغلبة والموت البطيء: المكاتب المغلقة، الملفات المتراكمة، والتراتبية الإدارية هي رموز للروتين الذي يمتص حيوية الإنسان ويحوله إلى مجرد ترس في آلة.
تغوص بنا الرواية في عوالم صراع الهوية وتمزقاتها عبر رمزية القرية والمدينة من خلال خط الهجرة القروية. فالمدينة هنا لا تمثل الحداثة والتطور، بل تمثل الغرابة والاغتراب. هي فضاء إسمنتي بارد يفتقر إلى الإنسانية، يبتلع القادمين من الهامش ويجبرهم على العيش في دور الصفيح أو الحواف المهملة، لتتحول إلى فردوس مفقود، وطهرانية وبساطة انتهكها الجفاف الاقتصادي والاجتماعي مما يدفع الشخوص إلى تيه هوياتي قاتل.
الإدارة كتيمة أساسية تعكس تيمة الوطن
يُعد هذا المحور من أعمق جوانب الرواية؛ إذ تسلط الكاتبة الضوء على عالم الوظيفة ومتاهات الإدارة، تُعري الرواية أساليب التنكيل النفسي والتعذيب المعنوي الذي يتعرض له الموظف داخل المنظومة الإدارية، وتناقش كيف يؤدي الشطط في استعمال السلطة إلى موت بطيء للإرادة الإنسانية والكرامة. تفرز هذه الصراعات نوعين من البشر: أفراد مستسلمون يتكيفون مع القمع، أو انتهازيون يجردون من إنسانيتهم لترسيخ التبعية، بينما ينتهي المصير بمن يختار التمرد إلى العزلة والانهيار، فيجدون أنفسهم مطرودين أو محاربين نفسياً حتى حافة الجنون.
تتداخل الضغوط الإدارية مع الانكسارات النفسية في الرواية لترسم لوحة قاتمة عن الموت البطيء للإنسان داخل منظومات العمل المعاصرة سمتها الاغتراب والتعذيب المعنوي، إذ لا تكتفي الرواية برصد الفساد الإداري التقليدي، بل تغوص في التنكيل النفسي الممنهج الذي يمارسه أصحاب السلطة. يحاصر الموظف الطموح داخل بيئة عمل سامة تجرده من كرامته، وتتحول الوظيفة من وسيلة عيش إلى زنزانة نفسية تؤدي إلى اضطراب الهوية والشعور بالدونية. هذا الصراع الخارجي ينعكس مباشرة على باطن الشخصيات، حيث يتحول القمع الإداري إلى كوابيس يومية، وتيه نفسي يُفقد الأبطال القدرة على الفصل بين نضالهم المهني وحياتهم الشخصية، مما يجعلهم يموتون معنوياً ونفسياً قبل الموت الجسدي. ويعكس قاموس الرواية المستعمل في وصف الإدارة ذلك بأبلغ صورة:
” القبيلة، الزاوية، طاحونة الكفتة، ضيعة السيد الوزير، مسرح الجريمة، البؤرة اللعينة، الفلك الغامض، رحى كبيرة تطحن كل ما يقع بين فكيها، مصنع للعبيد، مقبرة للطموح. هي متاهة: الاستراحة فيها هي شرب لأسرار الآخرين، والارتقاء يتم عبر سلم التملق والانبطاح لنزوات المرؤوسين. والرئيس/ سعادة المحترم الذي أقسم أن يزيح كل الرؤوس الساخنة. منطقها الوحيد وسننها الناظمة: كلما جاءت أمة لعنت أختها، أما البقاء فيها فهو للأسوأ، وللحرباء المتلونة على ألوان طيف القابعين على هرم السلم الإداري”.
الحب والانهزام
لم يكن الحب في الرواية مجرد ملاذ رومانسي، بل تجسد كخط دفاع أخير تتشبث به الذوات المغتربة قبل السقوط التام. في الروايات التقليدية، غالباً ما يكون الرجل هو القائد والمحفز، لكن فاطمة ياسين تقلب هذه البنية؛ فحياة هي التي تدفع عبدو للبوح والتحدي والمواجهة. وتعكس الحوارات بين حياة وعبدو عمق السوداوية التي تغلغلت في وجدانهما، حيث يمتزج الحب بمرارة الانهزام.
- حياة: يا عبدو، هل تعتقد أننا نعيش حقاً؟ أم أننا نؤجل موتنا فقط في انتظار معجزة لن تأتي؟
- عبدو: نحن لا نؤجل الموت يا حياة، نحن نموت في اليوم ألف مرة تحت وطأة هذه الجدران الباردة، وما تبقى منا ليس سوى
ظلال تتظاهر بالحياة
- عبدو: أخاف أن يبتلعني هذا الضياع فلا أجد طريقاً إليكِ.
- حياة: الحب بيننا لم يعد ملاذاً يا عبدو، لقد أصبح خط الدفاع الأخير قبل أن يسحقنا هذا العالم تماماً. إن سقطنا، سقط كل شيء.
- حياة: عليك أن تتكلم، أن تصرخ بوجههم قبل فوات الأوان.
- عبدو: الكلمات فقدت معناها في إدارات لا تسمع سوى صدى مصالحها. لكنني سأقول كلمتي… سأقولها قبل الموت بقليل، لتظل شاهدة عليهم.
عبدو ينظر إلى يديه الملطختين بحبر الأختام الإدارية، ثم يرفع عينيه المجهدتين نحوها:
- هل لاحظتِ ذلك اليوم؟ الأوراق في المكاتب لا تصفرّ لأن الخريف قد حلّ… إنها تصفرّ لأنها تمتصّ أعمارنا بنهم.
حياة تُدير ملعقتها في فنجانها بآلية، دون أن تشرب:
- الأسوأ من اصفرار الورق يا عبدو، هو هذا البياض الذي يغزو أرواحنا. بالأمس وقف المدير أمامي، لم يكن يتحدث… كان يضع قفلًا على حنجرتي، وينتظر مني أن أبتسم للمفتاح الذي يمسكه في جيبه.
- أخشى أنني إذا استمررت في الانحناء لتلك الطاولات الباردة، لن أستطيع الالتفات إليكِ يوماً ما. أخشى أن يبتلعني الطوفان الرمادي، فلا تجدي مني سوى بذلة رسمية فارغة يجلس عليها موظف آخر.
حياة تضع كفها فوق كفه المثقلة بالحبر، تضغط عليها بقوة:
- لن يدعونا نلتفت، ولن يدعونا نلتجئ لبعضنا. الحب هنا يا عبدو ليس نزهة، إنه خندقنا الأخير. إذا استسلمت أصابعك للحبر الصامت، ستموت الكلمات في حنجرتي تماماً.
عبدو يغمض عينيه، ويستمع لضربات المطر:
- إذن، لن أوقع على محضر غيابي عن الحياة. سأترك بقعة حبر متمردة على مكتبه قبل أن أغلق الباب وراء لياليهم الطويلة… سأترك صرختي هناك، حتى لو كانت هي الشيء الأخير الذي أفعله قبل أن ينطفئ كل شيء.
عند تحليل علاقة عبدو بحياة، نكتشف الرجل الذي يخضعه الحب ليتحول إلى متلق ومستقبل. يمثل عبدو في الحوارات صوت الواقعي المحبط الذي يرى الجدران الباردة والأسقف الخرسانية للإدارة كقضاء وقدر لا يمكن الفكاك منه. حبه لحياة ليس مجرد عاطفة، بل هو محاولة للتشبث بآخر خيوط الإنسانية. عندما يخاطبها، فهو لا يخاطب امرأة فقط، بل يخاطب مرآته النقية التي تُذكره بما كان عليه قبل أن تبتلعه الملفات والروتين اليومي. خوفه من الضياع يعكس رعب الإنسان من التنميط وفقدان الهوية الشخصية. فإذا كانت حياة هي الثورة والنبض المتمرد، فإن عبدو هو الضحية التي تُبرز قسوة المنظومة. إنه يمثل الموظف المعاصر الذي يساق إلى المقصلة المعنوية كل يوم، ولكنه في لحظة الحسم يختار، تحت تأثير وعي حياة، ألا يموت صامتاً، بل أن يترك بقعة حبر متمردة تكون بمثابة توقيعه الأخير واحتجاجه الوجودي قبل الموت بقليل.
شخوص الرواية
تتمادى كاتبتنا في تعذيبنا عبر لعبة الأسماء؛ فسالم غير سالم ولم يسلم منه أحد. وكريمة متملقة متسلقة إلى حد تمريغ كرامتها في التراب. وحسن الذي لم يحظ باستحسان مدير الضيعة، فرغم انبطاحه الأكثر من اللازم وتفانيه بات كبشا للفداء. وعائشة سيدة الحل والعقد وعرابة مقبرة الحياة/ الكونتيسة التي لبست الوجه الآخر المرعب للأسطورة: هي الحورية التي تجذب بصوتها العذب القراصنة والبحارة والصيادين ليصيروا زيتا لناعورة مقبرة الأحلام. أما الوجه الآخر لشخوص الرواية؛ أقلية الشرفاء الذين باتوا قربانا للمحرقة، ومتاريس لتحريك آلة تصير الكفاءات إلى مومياءات للفرجة.
شخوص الرواية تتسم بالواقعية الشديدة لدرجة أنك قد تجد نفسك في واحدة منها، وتتحرك الأحداث من خلالها بحيث يمثل كل منها بُعداً إنسانياً أو اجتماعياً معيناً.
- حياة
تتحول شخصية حياة في رواية قبل الموت بقليل من مجرد كائن حكائي يتحرك داخل النص، إلى أيقونة سيميائية مركبة تُجسد واقع المرأة الموظفة المعاصرة. إنها ليست ضحية لبيروقراطية إدارية جافة فحسب، بل هي نقطة الالتقاء القاسية بين قمع المؤسسة/ الإدارة وقمع البنية الذكورية للمجتمع. في الفضاء الإداري الذكوري، لا يُنظر إلى المرأة دائماً من خلال كفاءتها المهنية، بل يتم محاصرتها كـعنصر دخيل ينبغي إخضاعه. يرمز الانهيار النفسي الذي تعاني منه حياة، واستيقاظها المفزوع من الكوابيس، إلى حجم النزيف المعنوي اليومي الذي تتكبده المرأة للحفاظ على مكانتها. الكوابيس هنا ليست اضطراباً شخصياً، بل هي انعكاس للتهديد المستمر الذي تواجهه المرأة في بيئة عمل لا ترحم خصوصيتها، حيث يصبح مجرد الحفاظ على الكرامة بحاجة إلى خوض معركة خفية منهكة.
تمثل حياة رمزاً للمرأة التي تُعاقَب مرتين؛ مرة لأنها ترفض الفساد الإداري، ومرة لأنها تجرأت على كسر الصورة النمطية للمرأة المستكينة، فالشطط في استعمال السلطة من طرف الإدارة يترجم في حالة حياة إلى قمع ذكوري محكوم بقوانين الوظيفة. يمارس ضدها النقل التعسفي، التهميش، أو التحرش المعنوي لإجبارها على التبعية. يرمز موقفها المتمرد إلى صرخة أنوثة على حافة الانتهاك؛ فهي ترفض أن تكون مجرد رقم أو أداة لتزيين المكاتب، وتصر على أن تكون ذاتاً فاعلة تملك صوتاً وقراراً، حتى لو كان ثمن ذلك هو الإقصاء والعزلة.
إن اختيار الكاتبة لاسم حياة يحمل في حد ذاته مفارقة سيميائية صارخة وساخرة؛ ففي الوقت الذي يحاصر فيه الجميع بالموت البطيء والشطب المعنوي، تظل هي النبض الوحيد الذي يرفض الاستسلام داخل محيط إداري سام. إنها تجسيد حي للمرأة الموظفة التي ترفض أن تموت ” قبل الموت بقليل”، وتصر على أن تترك بصمتها المتمردة في سجلات بيروقراطية ذكورية.
- عبدو
تتحول شخصية عبدو في رواية قبل الموت بقليل إلى أيقونة سيميائية موازية تكمل المشهد المأساوي الذي تعيشه حياة. إذا كانت حياة تمثل صوت الاحتجاج والمواجهة، فإن عبدو رمزاً للتمزق الوجودي والاضمحلال التدريجي للذات تحت وطأة الآلة البيروقراطية الذكورية.
في مجتمع ذكوري، يتوقع من الرجل أن يكون رمزاً للقوة، السيطرة، والقدرة على حماية الشريك وتأمين المستقبل. لكن عبدو يرمز إلى الرجل الذي تسلبه الإدارة كرامته وقدرته على الفعل. إن الحبر الإداري الذي يلطخ يديه يرمز إلى القيود والأغلال المعنوية؛ فهو عاجز عن إنقاذ نفسه وعاجز عن حماية حياة. يجسد عبدو صدمة المثقف أو الشاب الحالم الذي يدخل سوق الشغل بطموحات كبيرة، ليجد نفسه مجرد ترس مطلوب منه الطاعة العمياء، مما يؤدي إلى حالة من الإخصاء المعنوي وفقدان الجدوى والفاعلية.
يمثل عبدو النموذج البشري الذي يعيش في منطقة وسيطة قاتلة بين الانتهازية والجنون، فهو لا يمتلك الدناءة ليكون انتهازياً يتسلق على أكتاف زملائه ويركع للمسؤولين، وفي نفس الوقت لا يمتلك شجاعة المواجهة كحياة. هذا التردد يجعله رمزا للضياع والتيه، يطوف بين مصحات الأمراض العقلية لأن عقله يرفض استيعاب لاإنسانية الواقع، مما يجعله تجسيداً حياً للمقولة الوجودية: “الوعي في مجتمع مشوه هو خطوة أولى نحو الجنون”.
أما باقي شخوص الرواية، فإن فاطمة ياسين لا تقدمها كعناصر تأثيثية أو هامشية، بل توظفها كأوتاد سوسيولوجية ونفسية تُعمق من خلالها الصراع الدائر حول البطلين المحوريين حياة وعبدو. تنجح الكاتبة عبر الشخوص الثانوية في نسج شبكة أمان وتراتبية حول البطلين؛ فبينما يواجه عبدو وحياة وحش الإدارة والوظيفة في العلن، يواجهان من خلال أحمد وخديجة ضغط الامتثال الأسري في الخفاء، بينما يقف باعلى كصافرة إنذار تنذر الجميع بأن المصير النهائي لمن لا يركع للمنظومة هو التهميش التام والاغتراب المؤدي إلى الموت معنوياً وجسدياً.
إن رواية “قبل الموت بقليل” ليست مجرد توثيق أدبية يرصد الفساد الإداري، بل هي تفكيك سيكولوجي ووجودي عميق لآليات القهر الحديثة. لقد نجحت فاطمة ياسين في تحويل البوح الشخصي إلى قضية وطن، وجعل الكلمة الدرع الأخير لمنع الروح من السقوط التام في العدم.
* كاتبة وباحثة في التاريخ



