انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
رأيهم

حين يصبح الجهل منظومة..

بقلم: شكيب حلاق*

المقال مترجم بتصرف عن موقع “لوكوليماتور”

غالبًا ما نميل إلى اختزال الجهل في مجرد نقص في المعرفة. غير أنه، في مجال الفكر الديني، قد يتخذ أشكالًا أكثر خفاءً ومراوغة؛ إذ يمكن أن ينتظم ويتخذ بنية تحميه وتحصّنه. وقد يتحول أحيانًا إلى منظومة مغلقة تعرقل ممارسة التفكير الحر والنقدي والإبداعي.

انطلاقًا من قراءة تقاطعية لأعمال نصر حامد أبو زيد (1943-2010)، المفكر المصري، ومحمد أركون (1928-2010)، المفكر الجزائري، نقترح إطارًا تحليليًا يقوم على أربعة أشكال من الجهل: الجهل المقدَّس، والجهل المؤسَّسي، والجهل المركَّب، والجهل المبرمج منهجيًا.

ولا تدّعي هذه المقاربة إعادة صياغة تصنيف وضعه المفكران صراحةً، بل هي بناء تحليلي نابع من قراءة نقدية لأعمالهما. وتستند، على وجه الخصوص، إلى تحليلاتهما لآليات إنتاج المعرفة الدينية وإضفاء الشرعية عليها، وللعلاقة بين النص والتأويل، فضلًا عن الشروط التاريخية والاجتماعية والفكرية التي تحدد حدود ما يمكن التفكير فيه.

هذه الأشكال الأربعة ليست من طبيعة واحدة. فثلاثة منها، وهي الجهل المقدَّس والمؤسَّسي والمبرمج منهجيًا، تمثل آليات جماعية متمايزة، لكنها مترابطة، يعزز بعضها بعضًا. أما الشكل الرابع، أي الجهل المركَّب، فهو حالة فردية تنشأ عن تلك الآليات، ثم تسهم بدورها في استمرارها. وتعمل هذه الأشكال مجتمعةً على إعادة إنتاج أنماط من الانغلاق الفكري، من خلال الحد من إمكانات التساؤل والتأويل وتجديد المعرفة.

1\. الجهل المقدَّس: حين يحل التأويل محل الوحي

يتمثل هذا الشكل من الجهل في إضفاء صفة القداسة على ما هو نتاج بشري. فالتفاسير والمذاهب الفقهية وآراء العلماء والتقاليد الثقافية، وهي جميعها ثمرة جهود بشرية في التأويل والاجتهاد، ينتهي بها الأمر إلى أن تُعامل كما لو كانت تتمتع بالحصانة نفسها التي يتمتع بها النص المقدس. وعندئذ يصبح كل تشكيك فيها موضع ريبة، بل قد يُصوَّر أحيانًا على أنه مساس بالمقدس.

وهنا تنطلق انتقادات أبو زيد في كتابه نقد الخطاب الديني (1992)، إذ يميز بين النص المنزل و«الخطاب الديني»، أي مجموع القراءات البشرية التي تدّعي التحدث باسمه. فهذه القراءات تنتمي إلى سياقات تاريخية محددة، ولذلك تظل قابلة للمراجعة. ومنحها سلطة النص نفسه يعني إضفاء صفة الألوهية على المؤوِّل.

وفي الاتجاه ذاته، يتحدث أركون عن ضرورة التمييز بين «الواقعة القرآنية» والبناءات التاريخية التي أحاطت بها، وعدم الخلط بين التراث في معناه المرجعي والتقاليد المتعاقبة التي أسهمت في تشكيله.

ولا يعني هذا التمييز أن جميع التأويلات متساوية في القيمة، أو أن المطلوب هو رفض الموروث. بل يقتضي إخضاع القراءات البشرية للفحص، بالاستناد إلى حجج واضحة، ومعايير متماسكة، ومعرفة دقيقة بالنصوص وسياقاتها.

2\. الجهل المؤسَّسي: حين تعيد المؤسسات إنتاج الجمود

ينشأ هذا الشكل من الجهل داخل البنيات المكلفة بنقل المعرفة. فقد تعطي المدارس والجامعات والمؤسسات الدينية الأولوية للتكرار على حساب الفهم، وللحفظ على حساب التفكير. فيتعلم الطالب ما ينبغي أن يفكر فيه، لكنه نادرًا ما يتعلم كيف يفكر.

وقد وصف أركون هذه العملية من خلال مفهوم «المدوّنة الرسمية المغلقة». ففي مرحلة معينة من التاريخ، جرى اعتماد قراءات ونصوص بعينها بوصفها مرجعيات معتمدة، بينما أُقصيت نصوص وقراءات أخرى أو طواها النسيان. ثم أُخذت هذه المدوّنة تُدرَّس كما لو أنها تستنفد جميع الإمكانات الممكنة للفكر.

وقدم أبو زيد تحليلًا قريبًا من ذلك في دراسته عن الإمام الشافعي (1992)، حيث يوضح كيف أسهم تثبيت إطار محدد للتأويل في ترسيخ أرثوذكسية تقوم على مفهوم «الوسطية»، قبل أن يصبح هذا الإطار موجّهًا للفكر على مدى قرون.

ولا ينشأ هذا الشكل من الجهل بالضرورة عن نية سيئة. بل يتكرس عندما تحل السلطة محل الحجة، وعندما يفقد التفكير النقدي مكانته بوصفه قيمة تربوية. ومع ذلك، يظل الحفظ مرحلة مفيدة من مراحل التعلم؛ إنما تبدأ المشكلة حين يتحول إلى غاية في حد ذاته.

فالمؤسسة التعليمية لا تؤدي رسالتها كاملة إلا عندما تعلّم المتعلم أيضًا فهم السياقات التي نشأت فيها الإجابات الموروثة، وفحص أسسها، وتقييم الحجج التي تستند إليها.

3\. الجهل المركَّب: ألا يعرف الإنسان حدود ما يعرفه

لعل هذا الشكل هو الأصعب في المواجهة، لأن صاحبه يجهل حتى مدى جهله. فهو مقتنع بامتلاك الحقيقة، ولا يعود يشعر بالحاجة إلى التعلم أو الشك أو الحوار.

وقد جعل سقراط الاعتراف بحدود المعرفة منطلقًا للحكمة. أما التراث الإسلامي الكلاسيكي، فيعبّر عن هذه الظاهرة بمصطلح «الجهل المركَّب»، أي أن يجهل الإنسان شيئًا، ويجهل في الوقت نفسه أنه يجهله.

وتعني كلمة «مركَّب» أن الجهل هنا مزدوج أو معقّد؛ فهو لا يتعلق بالموضوع الذي يجهله الإنسان فحسب، بل يمتد إلى جهله بحقيقة وضعه المعرفي نفسه.

ولا ينتمي هذا الشكل إلى الطبيعة نفسها التي تنتمي إليها الأشكال الثلاثة الأخرى. فهو ليس آلية جماعية، بل حالة فردية تمثل إحدى نتائجها، أكثر مما تشكل سببًا إضافيًا مستقلًا عنها. فالأشكال الثلاثة الأخرى تنتجه، ثم يأتي هو ليغذي استمرارها.

فالإنسان الذي تعلّم الخلط بين التأويل والوحي، وتكوّن على تكرار الأفكار من دون مساءلتها، لا يعود يرى سببًا يدعوه إلى الشك أو المراجعة.

وهذا النوع من الجهل ليس حكرًا على المجال الديني، بل يمتد إلى مختلف مجالات المعرفة، كلما حلّ اليقين الشخصي محل فحص الأدلة والحجج.

لعل هذا الشكل هو الأكثر خفاءً ودقة. فهو لا يتعلق بالمعارف المتاحة فحسب، بل بالمناهج المستخدمة لإنتاجها أيضًا.

فهناك أسئلة لا تُطرح أصلًا، وتخصصات تُستبعد، ومقاربات يُحكم عليها بعدم المشروعية قبل إخضاعها للفحص. وقد يُنظر إلى التاريخ وفقه اللغة واللسانيات والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والنقد النصي أحيانًا بوصفها تهديدًا.

وينبغي فهم وصف هذا الجهل بأنه «مبرمج» بمعناه البنيوي؛ أي إنه ناتج عن توجه متجذر في المناهج وأطر التفكير، وليس بالضرورة ثمرة خطة متعمدة. وهذا لا ينفي أن بعض الفاعلين قد يدافعون عنه عن وعي وقصد.

وهذا ما يشير إليه أركون بمفهومي «اللامفكَّر فيه» و«المستحيل التفكير فيه». فـ«اللامفكَّر فيه» يحيل، في تصوره، إلى ما تركه تاريخ الفكر الإسلامي خارج دائرة الاهتمام أو في الظل، بينما يشير «المستحيل التفكير فيه» إلى ما تجعل أطر التفكير السائدة طرحه سؤالًا مشروعًا أمرًا صعبًا أو مستبعدًا.

ويهدف مشروعه المتمثل في «نقد العقل الإسلامي»، الذي طوّره خصوصًا في كتابه من أجل نقد العقل الإسلامي، الصادر بباريس عن دار Maisonneuve et Larose سنة 1984، إلى الكشف عن هذه الحدود التي تضبط مجال التفكير، بالاستعانة بأدوات العلوم الإنسانية.

وفي مسار مقارب، يوظف نصر حامد أبو زيد في كتابه مفهوم النص (1990) مناهج اللسانيات وتحليل الخطاب في دراسة القرآن. ويوضح أن النص القرآني يرتبط بواقع ثقافي ولغوي محدد تاريخيًا، وتربطه به علاقة دينامية؛ فهو، من جهة، يتشكل في تفاعل معه، ومن جهة أخرى، يسهم في تغييره وتحويله.

وتكشف تجربة أبو زيد عن العواقب التي قد تترتب على الاعتراض على بعض التأويلات الدينية حين يصطدم هذا الاعتراض بآليات الإقصاء المؤسسي والقضائي. ففي سنة 1995، قضت محكمة الاستئناف بالقاهرة باعتباره مرتدًا استنادًا إلى أعماله الأكاديمية، وأمرت بالتفريق بينه وبين زوجته؛ ثم أُيّد الحكم في مرحلة النقض سنة 1996.

وتسلط هذه الواقعة الضوء على التوترات القائمة بين التأويل النقدي والسلطة الدينية وحرية البحث. كما تقدم مثالًا بالغ الدلالة على الإشكالات التي يثيرها الشكل الرابع من الجهل، وإن كانت وحدها لا تكفي لإثبات جميع أبعاده.

ولا تقدم هذه التخصصات، بمفردها، إجابات نهائية عن الأسئلة اللاهوتية. لكنها تساعد على فهم السياقات التاريخية والاستعمالات اللغوية والممارسات الاجتماعية وشروط انتقال النصوص عبر الأجيال. وينبغي تقييم إسهامها وفقًا لمناهجها ونتائجها وحدودها، لا استبعادها من حيث المبدأ.

ويظهر الانغلاق المنهجي عندما تُرفض بعض الأسئلة قبل فحص الأدلة، أو تُقصى تخصصات معرفية من دون مناقشة مناهجها، أو تُحدَّد مسبقًا النتائج المقبولة، فتُرسم على أساسها حدود البحث.

وعندئذ لا يعود الجهل مجرد نتيجة لنقص المعلومات، بل يصبح أثرًا لإطار ينظم ما يمكن معرفته، وما يُسمح بالتفكير فيه، وما يُستبعد من دائرة البحث.

المصالحة بين الإيمان والعقل

لا تدعو هذه المقاربة إلى القطيعة مع التراث، بل إلى استعادة أكثر جوانبه خصوبة: البحث والمناقشة والاجتهاد.

لقد ترجم علماء العصر الكلاسيكي الأفكار، وناقشوها، وقارنوا بينها، وخاضوا سجالات بشأنها، ولم يخلُ ذلك من الصراعات. والمطلوب اليوم هو مواصلة هذا المسار، لا إغلاقه.

إن الخروج من أشكال الجهل الأربعة يقتضي الجمع بين مطلبين أساسيين: التواضع أمام ما نجهله، والشجاعة في مساءلة ما نعتقد أننا نعرفه.

فقد يمتلك فكر ما رصيدًا معرفيًا هائلًا، لكنه يحرم نفسه من الأدوات اللازمة لفهمه ومناقشته وتجديده.

إن النقيض الحقيقي للجهل لا يكمن في تراكم المعرفة، بل في القدرة على مساءلتها.

ولا يظل التراث الفكري حيًا إلا بقدر ما يقبل إخضاع تأويلاته للنقاش، ومناهجه لاختبار العقل، ويقينياته لفحص الحجج والأدلة.

فالتفكير بحرية لا يعني التخلي عن القناعات، بل الاعتراف بأن أيًّا منها لا يمكنه، بمجرد الاستناد إلى سلطته، أن يعفي نفسه من الشك والنقد.

وحين يتخلى الفكر عن مساءلة ذاته، تتجمد المعرفة، ويفقد التراث قدرته على التجدد، ويصبح اليقين مهددًا بالتحول إلى عقيدة مغلقة لا تقبل النقاش.

https://lecollimateur.ma/220765

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا