مهرجان الفنون الشعبية يحتفي بثلاثة أصوات نسائية… حين تغني الذاكرة بصوت امرأة

أجمل ما في هذا المهرجان ليس فقط استضافة النجوم، بل ذلك الحوار الفني الذي يقيمه بين الفنان الضيف والفرق الفلكلورية المغربية، فيتحول كل حفل إلى احتفاء جماعي بالذاكرة.


بسمة نسائية/ عزيزة حلاق
صور: – نبيلة معن/ عيسى السوري
صور: هند النعيلي/ Zakaria Ouqbi
![]()
![]()
ثمة مهرجانات تكتفي بتنظيم الحفلات، وثمة مهرجانات تروي حكاية وطن. والمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش ينتمي إلى الصنف الثاني؛ فمنذ أكثر من نصف قرن، وهو يحمل على عاتقه مهمة نبيلة تتمثل في صون الذاكرة الفنية المغربية، وحماية الموروث الشعبي من النسيان، ومنحه فرصة جديدة للحياة، لا داخل المتاحف، بل فوق الخشبة، وأمام جمهور يتجدد كل عام.
وأجمل ما في هذا المهرجان ليس استضافة النجوم فحسب، بل ذلك الحوار الفني الذي ينسجه بين الفنان الضيف والفرق الفلكلورية المغربية، فيتحول كل عرض إلى احتفاء جماعي بالذاكرة. فالفنان لا يكون وحده بطل السهرة، بل يتقاسم الضوء مع فرق الفنون الشعبية القادمة من مختلف جهات المملكة، ليصبح كل لقاء مساحة تتجاور فيها التجربة المعاصرة مع التراث الحي، وتتقاطع فيها الأصوات الفردية مع الذاكرة الجماعية.
وفي هذه الدورة الخامسة والخمسين، برزت ثلاثة أصوات نسائية، لكل واحدة منها عالمها الفني وأسلوبها الخاص، غير أنهن التقين جميعًا عند نقطة واحدة: الوفاء للهوية المغربية، مع تقديمها برؤية متجددة تفتحها على آفاق أرحب وجمهور أوسع.


في فضاء قصر الباهية، كان الموعد مع الصوت الشفيف للفنانة نبيلة معن، التي لم تكتف بالغناء، بل نسجت من الموسيقى الأندلسية والملحون لحظة فنية آسرة، بدت فيها الألحان وكأنها تعود إلى بيتها الأول. ومن خلال الحوار الذي أقامته مع إحدى الفرق الكناوية المشاركة، بدا التراث المغربي وكأنه يتحدث بلغات موسيقية متعددة، لكنها جميعًا تنتهي إلى المعنى ذاته: أن الجمال الحقيقي لا يشيخ.


وعلى إيقاعات القراقب، اعتلت الفنانة هند النعيلة منصة المسرح المفتوح أمام قصر البلدية، حاملة معها روح كناوة بكل ما تختزنه من عمق روحي وامتداد إنساني وإفريقي. وجاء التفاعل الكبير للجمهور ليؤكد أن هذا الفن، المنبثق من الذاكرة الجماعية، ما يزال قادرًا على جمع الناس حول الإيقاع نفسه، وأن التراث حين يُقدَّم بصدق، لا يحتاج إلى ترجمة.
أما نجمة الدورة، زينة الداودية، فقد قدمت نموذجًا آخر لعلاقة الفنان بتراثه. فهي لم تكتف بإعادة أداء الأغنية الشعبية كما ورثتها، بل اختارت أن تمنحها نفسًا جديدًا من خلال تجديد الإيقاع والتوزيع والصورة، مع الحفاظ على روح الأغنية المغربية. وهي تجربة تؤكد أن التجديد الحقيقي لا يهدم الأصالة، بل يمنحها أسبابًا جديدة للاستمرار.

في حفل اختتام الدورة بقصر البديع، كانت ليلة استثنائية بكل المقاييس، حملت توقيع الفنانة الشعبية زينة الداودية، التي صنعت واحدة من أكثر سهرات المهرجان تألقًا وتفاعلًا. وشكّل تكريمها خلال الأمسية لحظة وفاء واعتراف بمسار فني حافل، استطاعت خلاله أن تفرض اسمها كواحدة من أبرز نجمات الأغنية الشعبية المغربية.


وقدمت الداودية عرضًا حيويًا ألهب حماس الجمهور، الذي تفاعل معها بشكل لافت، كما منحت السهرة بعدًا احتفاليًا خاصًا من خلال لوحات فنية مشتركة جمعتها بفرقة عبيدات الرمى، وفرقة ركادة وجدة، إلى جانب الفنانة هند الكناوية، بأغنية “لالة مليكة”، في مشهد جسّد روح التلاقي بين الأغنية الشعبية المغربية ومختلف روافد التراث اللامادي..
ولعل الرسالة الأبلغ التي يبعثها هذا المهرجان هي أن التراث ليس نقيضًا للحداثة، بل شريكًا لها. فبين فرق تحيي رقصات وأهازيج توارثتها الأجيال، وفنانات يقدمن قراءات معاصرة للموروث المغربي، يتأكد أن الهوية الثقافية ليست قالبًا جامدًا، بل نهرًا يتجدد باستمرار، شرط ألا ينسى منابعه.
هكذا، نجحت الدورة الخامسة والخمسون في أن تجعل من المرأة صوتًا للذاكرة، ومن الفن الشعبي جسرًا يصل الأمس باليوم. فمن نبيلة معن إلى هند النعيلة، ثم زينة الداودية، تتعدد المدارس الفنية، وتتنوع الإيقاعات، لكن الرسالة تبقى واحدة: أن يظل المغرب وفيًّا لذاكرته، وهو يمضي بثقة نحو المستقبل.



