مونديال 2026.. بطاقة حمراء في وجه الآباء المتخلفين عن النفقة.

حين تصبح كرة القدم حكماً في قضايا الأبوة
حديث بسمة/ عزيزة حلاق
لطالما كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة؛ فهي شغف جماعي، وهوية وطنية، ومساحة يلتقي فيها ملايين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم. لكن أن تتحول إلى أداة قانونية للضغط الاجتماعي، فهذا ما يثير أسئلة عميقة حول مفهوم المسؤولية الأسرية وحدود العقاب المدني.
في سابقة غير مألوفة، كشفت تقارير إعلامية عن تسليم السلطات الأرجنتينية نظيرتها الأمريكية قائمة تضم آلاف الآباء المتخلفين عن أداء النفقة المستحقة لأبنائهم، وذلك بهدف منعهم من حضور مباريات كأس العالم 2026، ما لم يسووا أوضاعهم القانونية والمالية. خطوة قد تبدو للوهلة الأولى غريبة، لكنها تحمل في جوهرها رسالة شديدة الوضوح: حقوق الأطفال لا تسقط أمام أي شغف، حتى وإن كان اسمه كرة القدم.
ففي عالم أصبح فيه الانفصال الأسري ظاهرة متزايدة، غالباً ما يكون الأطفال الحلقة الأضعف في النزاعات بين الآباء والأمهات. وتتحول النفقة، التي يفترض أن تكون حقاً طبيعياً يكفل حياة كريمة للأبناء، إلى معركة قضائية طويلة يدفع ثمنها الصغار قبل الكبار.
ما فعلته السلطات الأرجنتينية يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للمجتمع أن يستخدم أدوات جديدة وغير تقليدية لإلزام الآباء بمسؤولياتهم؟ يبدو أن الإجابة جاءت هذه المرة من مدرجات الملاعب، حيث اعتُبرت متعة مشاهدة المونديال امتيازاً لا يستحقه من يتخلى عن واجباته تجاه أبنائه.
إن الأبوة ليست علاقة بيولوجية فحسب، بل التزام أخلاقي وقانوني وإنساني مستمر. فالأطفال لا يحتاجون إلى أسماء في وثائق الحالة المدنية بقدر حاجتهم إلى حضور فعلي، ورعاية، وإحساس بالأمان. وحين يغيب هذا الالتزام، يصبح تدخل القانون ضرورة لحماية من لا صوت لهم.
قد يختلف البعض حول جدوى هذا الإجراء أو مدى صرامته، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن مصلحة الطفل يجب أن تظل فوق كل اعتبار. فالمجتمعات تقاس بمدى حمايتها للفئات الأكثر هشاشة، لا بحجم ملاعبها أو عدد بطولاتها.
ربما أرادت الأرجنتين أن تقول للعالم إن المشجع الحقيقي ليس فقط من يهتف لفريقه في المدرجات، بل أيضاً من ينتصر يومياً لمسؤولياته داخل بيته. فقبل أن نكون أنصاراً لمنتخب أو عشاقاً لكرة القدم، نحن مطالبون أولاً بأن نكون أوفياء لالتزاماتنا الأسرية والإنسانية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل آن الأوان لأن تبتكر المجتمعات آليات جديدة تجعل حقوق الأطفال أولوية لا يمكن التفاوض بشأنها؟



