انضموا لنا سيسعدنا تواجدكم معنا

انضمام
حديث بسمة

إذا كان تلاميذ فرنسا يحتجون على مدرستهم… فماذا نقول نحن؟

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

بدأت، منذ أواخر شتنبر، حركة احتجاجية في عدد من الثانويات الفرنسية، يقودها تلاميذ يرفعون مطالب تبدو، في ظاهرها، مرتبطة بيوميات المدرسة: توفير المدرسين، تعويض الأساتذة الغائبين، الحد من الاكتظاظ، تحسين ظروف الدراسة، والاهتمام بالبنية والتجهيزات، ومنها ضمان تكييف الهواء في المدارس.

لكن ما بدأ داخل المؤسسات التعليمية سرعان ما اتسع ليصبح جزءاً من نقاش اجتماعي وسياسي أكبر حول مستقبل المدرسة العمومية، وحول قدرة الدولة على توفير تعليم جيد ومتساوٍ لجميع أبنائها.

في 28 شتنبر، اتسعت رقعة الاحتجاجات بشكل لافت، ولم يعد صوت التلاميذ مجرد احتجاج على حصة دراسية ضائعة أو أستاذ لم يحضر، بل أصبح تعبيراً عن شعور بأن المدرسة، التي يفترض أن تكون فضاءً للمساواة وتكافؤ الفرص، تعاني بدورها من اختلالات تمس جوهر وظيفتها.

تلميذ يحتج لأنه يريد أستاذاً، وقسماً ملائماً، ومدرسة قادرة على أن تمنحه فرصة حقيقية.

قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه في الحقيقة يعيد طرح سؤال كبير: ماذا نريد من المدرسة العمومية؟

فالتعليم ليس مجرد تلقين للمعارف أو الحصول على شهادة. المدرسة هي المكان الذي تتشكل فيه شخصية المواطن، ويتعلم فيه الطفل كيف يفكر، وكيف يختلف، وكيف يحاور، وكيف يبني مستقبله. ولذلك فإن أي خلل يصيب المدرسة لا يبقى داخل أسوارها، بل ينتقل إلى المجتمع كله.

اللافت في الاحتجاجات الفرنسية أن التلاميذ لا يطالبون بإلغاء المدرسة العمومية، بل يطالبون بأن تكون أفضل.

إنهم يقولون، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إنهم يريدون أن يحصلوا على حقهم في التعلم في ظروف لائقة، وألا يصبح عنوان المؤسسة أو الحي الذي ينتمون إليه محدداً لجودة التعليم الذي يتلقونه.

وهذا المعنى يستحق التوقف عنده.

فحين يحتج التلميذ دفاعاً عن المدرسة، فهو لا يحتج ضد التعليم، وإنما يحتج من أجل التعليم.

وبعيداً عن الجدل السياسي الذي رافق هذه الاحتجاجات، وعن دخول الأحزاب والنقابات على خطها، تبقى الرسالة الأساسية صادرة عن المدرسة نفسها: هناك جيل من التلاميذ يريد أن يكون له صوت في النقاش حول المؤسسة التي ستصنع مستقبله.

أمام هذه الاحتجاجات على المدرسة في فرنسا، تبدو بعض مطالب التلاميذ هناك ترفاً بالنسبة إلينا، كمطلبهم بتكييف الهواء في المدارس، ونحن لا نزال نتحدث عن مدارس تفتقر إلى أبسط شروط التمدرس، بل عن مؤسسات لا تتوفر حتى على مراحيض لائقة، بما يفاقم صعوبات الاستمرار في الدراسة، خصوصاً بالنسبة إلى الفتيات.

فإذا كان التلميذ الفرنسي ينزل إلى الشارع احتجاجاً على نقص المدرسين، والاكتظاظ، وتراجع الموارد، ويطالب بتحسين ظروف الدراسة والبنية والتجهيزات، فماذا نقول نحن عن المدرسة العمومية المغربية، التي تواجه منذ سنوات أسئلة أكبر حول جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، والهدر المدرسي، والفوارق بين الوسطين الحضري والقروي، وبين المؤسسات والمجالات الاجتماعية؟

ماذا نقول؟ ومن أين نبدأ؟

هل من الاكتظاظ وغياب البنيات التحتية الأساسية؟

أم من مدارس لا تزال تفتقر إلى مرافق صحية وشروط نظافة لائقة، بما يجعل الذهاب إلى المدرسة والاستمرار فيها أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض التلاميذ، وخاصة الفتيات في المناطق القروية؟

أم من ظاهرة الهدر المدرسي، التي تشير إلى نحو 300 ألف تلميذ منقطع عن الدراسة سنوياً.

أم من ضعف الجودة، مع استمرار تدني مستويات التحصيل الدراسي بحسب عدد من التقييمات الوطنية والدولية؟

لا يتعلق الأمر بمقارنة ميكانيكية بين فرنسا والمغرب، فلكل بلد سياقه وإمكاناته وتحدياته. كما لا يجوز اختزال أزمة التعليم في المدرس أو في التلميذ أو في الأسرة؛ فهي قضية مركبة تتداخل فيها السياسات العمومية، والموارد، والمناهج، والتكوين، وظروف العمل، والبيئة الاجتماعية، والبنيات والتجهيزات.

لكن الأرقام تجعل السؤال مشروعاً.

فالمغرب يحتل المرتبة 82 من أصل 90 دولة واقتصاداً مشاركاً في نتائج PISA 2025 في مجال العلوم، وفق معطيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

الأرقام ليست حكماً نهائياً على المدرسة المغربية، ولا تختزل جهود آلاف المدرسين والتلاميذ والأسر، لكنها تكشف حجم التحدي.

والأهم أن الحق في التعليم لا يبدأ من الكتاب المدرسي وحده. يبدأ من مدرسة يستطيع فيها الطفل أن يتعلم في فضاء آمن وصحي، وأن يجد أستاذه، وقسمه، ومرافقه الأساسية، وأن يشعر بأن المدرسة مكان يستحق أن يبقى فيه.

وهنا يصبح الحديث عن الهدر المدرسي أكثر من مجرد رقم في تقرير. فحين يُفرض على التلميذ قطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة، في غياب وسائل النقل المدرسي، وعبر طرق وعرة، أو حين يواجه الاكتظاظ، ويفتقر إلى الظروف المادية والاجتماعية الملائمة للتعلم، فإن خيار الانقطاع قد يبدأ من تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها بالنسبة إلى طفل أو فتاة قد تكون حاسمة.

وفي حالة الفتيات تحديداً، قد تتضاعف هذه الصعوبات حين تغيب المرافق الصحية اللائقة، أو تصبح الطريق إلى المدرسة محفوفة بالمخاطر، فيتحول الاستمرار في الدراسة من حق طبيعي إلى معركة يومية مع المسافة والظروف والبيئة المحيطة.

وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي أكبر من سؤال الاحتجاج:

هل نريد مدرسة عمومية تكتفي بتدبير اليوم الدراسي، أم مدرسة تصنع الإنسان الذي يحتاجه المغرب غداً؟

لأن المدرسة ليست بناية، ولا مقررات، ولا مجرد طريق إلى الامتحان والشهادة. إنها استثمار في الإنسان، وفي المجتمع، وفي مستقبل البلاد. ولذلك، فإن وضع المدرسة العمومية في صلب السياسات العمومية، وجعلها واحدة من الأولويات الوطنية، ليس ترفاً ولا خياراً مؤجلاً، بل ضرورة لبناء مغرب أكثر عدلاً وتكافؤاً، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

لكن الأمر، في نهاية المطاف، يظل رهيناً بإرادة سياسية حقيقية لتجويد المدرسة العمومية، إرادة تجعل إصلاح التعليم أولوية فعلية، لا مجرد شعار يتكرر في الخطابات والبرامج الحكومية. ودون هذه الإرادة، ستظل كثير من الوعود حبيسة الورق، بينما تستمر المدرسة في دفع ثمن التأجيل، ويستمر أطفالنا في دفع الثمن الأكبر.

وإذا كان تلاميذ فرنسا يحتجون اليوم لأنهم يريدون مدرسة أفضل، فربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا، قبل أن يصل الاحتجاج إلى أبواب مدارسنا:

ماذا فعلنا حتى تصبح المدرسة العمومية المغربية قادرة على أن تضمن لكل طفل الحد الأدنى من شروط التعلم الكريم، وأن تمنحه الحق نفسه في التعلم والنجاح، أياً كان مكان ولادته والمستوى المادي لأسرته؟

وهل نحتاج إلى أن ينزل تلاميذنا إلى الشارع كي نكتشف أن المدرسة كانت تستحق، منذ سنوات، أن تكون واحدة من أولوياتنا الوطنية الكبرى؟

 

اظهر المزيد

عزيزة حلاق

مديرة مجلة بسمة نسائية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم اكتشاف Adblock المرجو وضع مجلة بسمة في القائمة البيضاء نحن نعول على ايرادات الاعلانات لاستمرارية سير المجلة. شكرا