ماذا يقول موت هؤلاء عن المجتمع الذي تركوه خلفهم؟

حديث بسمة/ عزيزة حلاق

حين يصبح الإنسان رقماً بعد الموت

ترددت كثيراً قبل أن أكتب عن هذه الصدمة البصرية لمشاهد دفن جثامين ثمانية عشر من أبناء هذا الوطن ضحايا “أحداث سبتة”، تحولوا إلى أرقام.

ترددت، ليس لأن الكلمات تنقصني، بل لأن بعض المشاهد تفقد الكلمات قدرتها على التعبير.

منذ أن رأيت مشاهد دفن جثامين ضحايا مأساة سبتة، وأنا أشعر أن الكتابة عنها ليست مجرد واجب صحفي، وإنما مواجهة مع سؤال إنساني ثقيل يصعب الهروب منه.

جثامين تُدفن جماعياً، وأشخاص يقفون أمام القبور للترحم على أرواحهم. لا أفراد من عائلات الضحايا، ولا ممثلون عن أسرهم، بل، كما ظهر في المشاهد المتداولة، مغاربة من عمال الدفن.

وأمام كل قبر… رقم.

هنا توقفت طويلاً.

كيف يمكن لإنسان كان له اسم، ووجه، وأم، وأب، وأصدقاء، وأحلام، أن ينتهي إلى رقم مجهول؟

وكيف يمكن لعائلة أن تفقد ابنها مرتين: مرة حين ابتلعه البحر، ومرة حين لا تستطيع حتى أن تستعيد جثمانه، أو تعرف أين يرقد، أو تضع اسمه على قبره؟

قد نختلف حول أسباب الهجرة، وحول المسؤوليات، وحول ما جرى في تلك الليلة، وحول دور شبكات التواصل الاجتماعي والشائعات وشبكات التهريب، لكن هناك حقيقة واحدة لا ينبغي أن تكون موضع خلاف:

حرمة الميت.

الميت له اسم.

وله عائلة من حقها أن تعرف أين انتهى جسده.

وله حق في أن يُدفن بكرامة، هو الذي ترك وطنه بحثاً عن العيش بكرامة.

وله حق في ألا يتحول إلى ملف إداري أو ورقة في خلاف سياسي بين دولتين.

وهنا تبدأ الأسئلة التي تزداد إيلاماً كلما حاولنا تجاهلها.

هل أصبحت جثامين هؤلاء جزءاً من معركة سياسية بين المغرب وإسبانيا؟

وإذا كان الأمر كذلك، فهل يجوز أن يكون الموتى هم من يدفعون ثمن هذا الصراع؟

لكنني لا أستطيع، في المقابل، أن أمنع السؤال من أن يطرح نفسه:

هل يُعاقَب هؤلاء الموتى لأنهم، وهم أحياء، فضحوا شيئاً عن واقعنا؟

لقد هربوا.

وهذه الكلمة وحدها موجعة.

هربوا من بلدهم، من مدنهم وأحيائهم وأسرهم، وخاطروا بحياتهم من أجل الوصول إلى مكان آخر.

قد يقول قائل إنهم ضحايا التضليل أو الوهم أو الشائعات.

ربما.

لكن السؤال الذي يجب ألا ندفنه معهم هو:

لماذا كان الوهم قادراً على إقناعهم بأن الموت في البحر قد يكون أقل قسوة من البقاء؟

هنا تصبح المأساة أكبر من الحدود.

وأكبر من سبتة.

وأكبر من خلاف سياسي بين الرباط ومدريد.

إنها مأساة مجتمع ينبغي أن يسأل نفسه بصدق:

ماذا فعلنا حتى يصبح البحر، بكل ما يحمله من موت، يبدو لبعض أبنائنا بوابة إلى الحياة؟

خرجوا من رحم مجتمعنا.

من بيوتنا.

من مدارسنا.

من أحيائنا الهامشية والمهمشة.

من واقع لم يستطع أن يقنعهم بأن المستقبل يمكن أن يكون هنا.

ولهذا فإن موتهم ليس خبراً عن الهجرة فقط.

إنه شهادة قاسية على شيء ما فينا.

ربما يكونون قد أخطأوا حين خاطروا بحياتهم.

لكن هل يصبح الخطأ سبباً لسلبهم حقهم في الكرامة بعد الموت؟

هل لأنهم أرادوا الرحيل وهم أحياء، يُتركون غرباء وهم أموات؟

إن الدولة تستطيع أن تختلف مع إسبانيا.

تستطيع أن تتفاوض.

أن تضغط.

أن ترفض.

أن تتمسك بمواقفها.

لكن هناك حدوداً يجب ألا تتجاوزها السياسة.

الجثمان ليس ورقة تفاوض.

والقبر ليس مكاناً لمعاقبة أحد.

والأم التي تنتظر ابنها ليست طرفاً في أي نزاع دبلوماسي.

والميت الذي يرقد بلا اسم ليس مسؤولاً عن الخلاف بين دولتين.

لقد فقد هؤلاء حياتهم.

فلا ينبغي أن يفقدوا، بعد موتهم، أسماءهم وحقهم في أن يعودوا إلى أهلهم.

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس فقط أن يموت.

بل أن يموت، ثم يُختزل إلى رقم.

ماتوا وهم يبحثون عن حياة أفضل… فلا تجعلوا موتهم نهاية لإنسانيتهم.

Exit mobile version