وراء كل هروب… وطنٌ لم يعد يتّسع للحلم

أبكتني صرخة هذا الشاب المغربي..

لم أستطع أن أكون مجرد متفرجة أمام هذا المشهد المؤلم.

بكيت وأنا أراه يصل منهكًا إلى شاطئ سبتة، وقد خارت قواه حتى لم يعد يقوى على الوقوف.

يقبّل كتف الشرطي ويده، ويتوسل إليه ألا يعيده إلى المغرب. وبكيت أكثر عندما بدأ يُخرج، واحدًا تلو الآخر، ما حمله معه في هذه الرحلة الخطرة: دبلومه، جواز سفره، هاتفه ووثائقه… ملفوفة بعناية ومحفوظة وسط سترة السباحة، وكأنه كان يحمي ما تبقى له من حلم.

كان يحاول أن يقول، بلغته البسيطة وببضع كلمات فرنسية لا يعرف غيرها:

Fatigué… Maroc… travail…

كلمات قليلة، لكنها تختصر الكثير: أنا متعب… المغرب… أريد العمل.

وحوله كاميرات الصحافة التي توثق كل شيء، بينما هو لا يبدو منشغلًا بالكاميرات ولا بالصورة التي ستنتشر، بل بمصيره فقط: هل سيُسمح له بالبقاء، أم سيُعاد إلى حيث جاء؟

لا أعرف هذا الشاب، ولا أعرف ظروفه، ولا أعرف مصيره، ولا أريد أن أبرر المخاطرة بالحياة.

لكنني أعرف أن الإنسان، عندما يصل إلى درجة يقامر فيها بحياته، ثم يتوسل غريبًا ألا يعيده، فهناك شيء أعمق من مجرد “نزوة هجرة”، أو كما وصفها البعض: “الضسارة وقلة الترابي”.

علينا أن نتوقف قليلًا، لا لنبرر، وإنما لنحاول أن نفهم.

أن نفهم ما الذي يدفع شابًا يحمل دبلومه وأوراقه وهاتفه، ويضعها في سترة السباحة، ثم يخوض البحر بحثًا عن فرصة للعمل والحياة.

بكيت من أجله، وبكيت أكثر من أجل وطن أتمنى أن يستطيع كل أبنائه أن يحلموا فيه، وأن يجدوا فيه فرصة للعمل والعيش الكريم، دون أن يضطروا إلى السباحة والمخاطرة بأرواحهم نحو المجهول.

لا تحاكموا الشاب قبل أن نحاول فهم ما الذي دفعه إلى ذلك.

فوراء كل هروب… حكاية.

ووراء كل حكاية… إنسان.

ووراء هذا الإنسان حلم صغير، لكنه كبير جدًا في معناه:

أن يعيش حياة أفضل.

Exit mobile version